الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ١٥٦156
الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه
فإذا تحركت عرفوا أن أحدا قادم عليهم، فيمسكون عن الدرس، ويقبلون
على صنع القفاف، حتى يطمئنوا إلى الداخل فيعودوا إلى الدرس (1). وبهذه الطريقة ربى قادة وهيأ، رادة كانوا نجوما في الأرض هادية إلى الحق وإلى الصراط المستقيم، فكان من تلامذته حملة العلم إلى المغرب، وهم: أبو الخطاب المعافري اليمني وعبد الرحمن بن رستم، وإسماعيل بن درار الغدامسي، وأبو داود القبلي النفزاوي وعاصم السدراتي، وقد عقدت إمامة الظهور للأولين منهم ببلاد المغرب فكانا مثالاً للعدل والاستقامة والبذل والتضحية، وقد سبقهم إلى المغرب من تلامذته وجنده، سلمة بن سعد، الذي كان الرائد الأول لهذه الدعوة ببلاد المغرب، فقد خرج من البصرة في العام الرابع من القرن الثاني الهجري، بعدما وصلت الأنباء إلى أبي عبيدة بما كان يعانيه المغرب الإسلامي، من ظلم ولاة بني أمية وبطشهم وانتهاكهم الحرم فجرد تلميذه هذا لمهمة الدعوة هنالك، فخرج إليها وهو يقول عندما كان يودع قائده وشيخه وددت لو ظهر هذا الأمر، ولو يوما واحدا بالمغرب، ثم لا أبالي أن تضرب عنقي.
ولم تكن قولته هذه شقشقة جرت على لسانه، وإنما كانت عقيدة راسخة في قرارة نفسه وعمق وجدانه، وقد صدقها بفعله، إذ شق بعزمته من أرض المغرب العزيزة جبالها الوعرة الشاهقة، وطوى وهادها الفسيحة المترامية فبث الدعوة بين قبائل البربر من سرت إلى تلمسان مع أنه أتى قوما غرباء من غير جنسه، ولا يتحدثون بلسانه ولا يتطبعون بطبعه، فاستطاع بإخلاصه وهمته وحنكته أن يتغلغل في أعماق نفوسهم ويصل إلى سويداء قلوبهم،
(1) ينظر: المرجع السابق، ص 101، الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الأولى (نشأة المذهب الإباضي)، علي يحيى معمر، ص 120، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، سلطنة عُمان، السيب، الطبعة الثالثة، 1429 هـ /2008 م.