الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ١٥٨158
الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه
وإفسادهم فيها - أن أعمالهم جميعا كانت مبررة للقيام عليهم، كيف وقد أمر الله بالقيام بالقسط، وفرض على الأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد سبق فيما نقلناه من كلام مفكري الأمة أن عهد بني أمية لم يكن عهدا إسلاميا، فقد وصفه الإمام المودودي بأنه عهد جاهلي ـ كما تقدم ـ، وقال فيه العلامة الندوي بأنه لا ينبغي أن يبقى يوما واحدا، فضلا عن أن يبقى أعواما، وأن بقاءه إنما كان على غفلة من الأمة أو على الرغم منها»، وقد كان ذلك في ضعف الإسلام وقوة الجاهلية كما سبق ذلك عنه، وتقدم قول الشهيد سيد قطب: «ولولا قوة كامنة في طبيعة هذا الدين، وفيض عارم في طاقته الروحية، لكانت أيام أُمية كفيلة بتغيير مجراه الأصيل».
في
هذه الظروف الكالحة المكفهرة، التي كشرت فيها الجاهلية عن أنيابها العصل لقضم ما تبقى من الإسلام كانت الحركة التصحيحية التي قادها طالب الحق، وقد اتفقت المراجع على أنه رأى باليمن ما لا يطاق، وهاك ما قاله البلاذري
رأى باليمن جوراً وعسفاً شديداً وسيرة في الناس قبيحة، فقال لأصحابه: لا يحل لنا المقام على ما نرى ولا يسعنا احتماله والصبر عليه، فكتب إلى أبي عبيدة مسلم كودين مولى بني تميم، وإلى غيره من إباضية البصرة، يشاورهم في الخروج، فكتبوا إليه إن استطعت ألا تقيم يوماً واحداً فافعل، فإن المبادرة بالعمل الصالح أفضل، فإنك لا تدري متى يبلغ أجلك، ولله خيرة من عباده يبتعثهم إذا شاء لنصر دينه، ويخصهم بالشهادة إكراماً لهم بها» (1).
ويقول الأستاذ مهدي طالب هاشم: إن خضوع اليمن وحضرموت هذه
(1) أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري، ج 3، ص 236.