الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ١٦٧القسم الأول: مظاهر الاستبداد
167
إذ لم تكن سياسة من تعطش لسفك الدماء، وإذلال الناس وحرمانهم من الحقوق المشروعة، كسياسة بني أمية وولاتهم، الذين لم يقيموا وزنا لحرمات الله ولم يرعوا إلا ولا ذمة في عباده، وإنما كانوا ظمأى إلى دمائهم يسفكونها، غرثى إلى لحومهم ينهشونها، ولا يبالون مع ذلك بهتك الأعراض ونهب الأموال وإهدار الحقوق، وبهذا يتضح الفرق بين الفئتين، ويظهر البون بين الفكرين كما قال الشاعر:
ملكنا فكان العَفْو منَّا سَجيَّةً فلما ملكْتُمْ سالَ بالدَّمِ أَبْطَحُ وحَلَّلْتُمُ قتل الأسارى وطالما غدونا عن الأسرى نَعفُ ونصفَح فحشبُكُمُ هذا التفاوتُ بينَنا وكلُّ إناء بالذي فيهِ يَنْضَحُ
امتداد حركة طالب الحق إلى الحجاز:
كانت حركة طالب الحق وأبي حمزة الشاري تهدف إلى تغيير الأوضاع من الفساد إلى الصلاح، وتحرير الأمة من الجور الذي طوقته من بني أمية وولاتهم، لتنعم بالعدل والإنصاف، ولتتبوأ مكان العزة والكرامة بعدما رزحت مكبلة بقيود الذلة والمهانة ردحا من الزمن، فهي من حيث المبدأ حركة عالمية وليست إقليمية لا تهتم إلا بتحرير اليمن، كيف وهدفها الأسمى إعادة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة موازين القسط بين الناس، ورفع كابوس الظلم الذي جثم على صدر الأمة.
ومن المعلوم، أن أولى البقاع بذلك البقاع المقدسة التي فيها بيت الله العتيق وحرمه الآمن وإليها تهوي أفئدة المؤمنين، ومن أرجائها انطلقت دعوة الله إلى سائر أرجاء الأرض، وفيها كان مثوى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي - بلا ريب - أحق البقاع بتطهيرها من رجس الظلم