الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ١٦٩

القسم الأول: مظاهر الاستبداد

ومع

169

ذلك، فإن تعريف الناس بمبادئ هذه الحركة وأهدافها على منابر الحرمين الشريفين مدعاة لوصول صوتها إلى آفاق الأرض، وذلك بسبب تزاحم وفود الرحمن عليهما ووجود الحجيج في عراصهما، وقد كان هذا سببا لانتشار خطب أبي حمزة الشاري وتناقل الناس لها، وهو مكسب دعوي يعود على الدعوة بالربح، ولو بعد أمد بعيد.

لأجل هذا كله؛ جرد طالب الحق حملة إلى الحجاز بقيادة أبي حمزة الشاري، الرجل الذي وصفه قادة الدعوة بالبصرة بأن إنجيله في صدره، وقد كانت شخصية أبي حمزة جامعة للمؤهلات القيادية، التي تفتقر إليها الحركات الإسلامية، إذ كان يجمع بين سلامة الفكر، وصفاء الذهن، وحسن العبادة، وعمق التصور، وجمال الأداء، وملكة، التعبير، وقوة الحجة، ودربة اللسان، وحصافة الرأي، والتفوق في الشجاعة والإقدام، والإخلاص لله تعالى في القول والعمل، والزهد في الدنيا، والرغبة فيما عند الله.

وكان مصداقا للالتزام بالشريعة الإسلامية في سلمه وحربه، وترجمة حية للعدل والإنصاف مع صديقه وعدوه، حتى كان يؤثر الحزم في الدين على الحزم في السياسة، كما سيتجلى ذلك واضحا في مواقفه، وهو ـ وإن خرج إلى مكة في جيش مدجج بالسلاح، يتراوح عدده بين سبعمائة رجل وألف ومائة رجل ـ لم يكن يهدف إلى قتال في الحرم الشريف وفي الشهر الحرام، فهو أرعى لحرمات الله تعالى، وإنما كان ذلك من باب (الاستعداد للحرب يمنع الحرب)، وكان اختياره لمكة للاعتبارات التي ذكرناها، كما اختار موسم الحج لأجل هذا الغرض نفسه على أنه حرص على مفاجأة الوالي الأموي على الحجاز عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، بدخوله الحرم في الموسم، ليُفوّت عليه فرصة الاستعداد للحرب، حتى لا يكون بينهما صدام في الحرم.