الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ١٧٢172
الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه
مقاعدنا، قال: ففعل، فتقدمنا فنزلنا عن رواحلنا وعقلناها بعيدا من الطريق، ثم جئنا أمامه إلى الطريق، فجثمنا عليه، فلما دنوا منه سرنا في وجوههم بالتحكيم، والسيوف في أيدينا مصلتة فألقوا بأيديهم وقالوا: الأمان، الأمان، قال: فبادر رجل منا فأعطاهم الأمان، فشق ذلك على أبي الحر، قال: أما إذا فعلتم فلا تختلجوا، ولا تهيبوا منهم أحدا، قال: فأسرناهم، فأخرجنا بهم الطريق حتى أبعدناهم خلينا سبيلهم واحتملنا صاحبنا وفككنا عنه جامعته، وفككنا عن الرافضي» (1)
وهذه القصة إن دلت على شيء، فإنها تدل على أمرين:
أولهما: أن هدف هذه الحملة رفع الظلم عن المظلومين، من غير تحيز إلى أحد أو تمييز بين مظلوم، وآخر، فأنتم ترون أن أصحاب أبي الحر لم يقتصروا على فكاك صاحبهم، وإنما حرصوا أيضا على فكاك الشيعي الذي كان مأسورا معه.
ثانيهما: التزامهم بالعهد، من غير أن يسمحوا لأنفسهم أن يخيسوا فيه لأي سبب من الأسباب، فعندما أعطى أحدهم الأمان للطغمة المجرمة التي أسرت أبا الحر التزموا تنفيذه على الرغم من كون أبي الحر نفسه ساءه أن يعطوا لهم الأمان، ولكنه أمرهم أن يلتزموا ما أعطوهم، فأطلقوا سراحهم مع أنهم كانوا قادرين عليهم.
هذا؛ وقد سجل البدر الشماخي انضمام أبي الحر إلى أبي حمزة وأصحابه وما اكتنف ذلك من أحداث، فقال: وأقام أبو حمزة بمكة أربعين يوما، فلما التأم إليه أصحابه ودخلوا مكة يحكمون، قال أبو الحر علي بن الحصين: هذا صوت غريب في أرض الحرم، وخطب في مكة خطبا، وأقام
(1) طبقات المشايخ للدرجيني، ج 2، ص 262 - 263، وينظر: السير للشماخي، ج 1، ص 92.