الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ١٧٣القسم الأول: مظاهر الاستبداد
173
بها ما شاء الله أن يقيم وهو يكاتب أبا يحيى، وكان أبو الحر علي بن
الحصين العنبري من علماء المسلمين وفقهائهم أقام بمكة.
عن عيسى بن أبي، عمرو، قال أبو سفيان أدركته شيخا كبيرا، بعث مروان بن محمد إلى أبي الحر إذ كان بمكة، وشدّ في الحديد مع رجل من الرافضة اسمه أصفر، ثم ساروا بهما، فخرج عيسى في أربعة عشر رجلا من المسلمين، فخلصوه منهم بعدما جاوزوا المدينة بمراحل، ثم رجعوا حتى دخلوا مكة مستخفين فخرجوا إلى منى وإلى عرفات وكانوا ينتظرون قدوم أبي حمزة، فعند الرواح فاجأهم أبو حمزة في نواصي الخيل قد طلعت، فلما رآهم أبو الحر، قال: أحرموا، فاغتسلنا وأحرمنا، ودخلنا في عسكر أبي حمزة، فأرسل عبد الواحد إلى أبي حمزة الخطباء فأفحمهم، فتهادنوا، فوقفنا وأفضنا إلى جمع ثم منى، فنزلنا في مؤخّر منى
وذكر أبو الفرج الأصبهاني في «الأغاني» أن أبا حمزة الشاري لما راسله عبد الواحد بن سليمان في الهدنة رد بقوله: «نحن بحجنا أضن، وعليه أشح غير أن جمهور الناس لاموا عبد الواحد وقالوا له: «إنك قد أخطأت فيهم ولو حملت عليهم الحاج ما كانوا إلا أكلة رأس»، فراسلهم بنقض العهد الذي بينه وبينهم، فلما سمع ذلك بلج، وإبراهيم، وكانا قائدين له قالا: «الساعة الساعة» فأقبل عليهما أبو حمزة، وقال: معاذ الله أن ننقض العهد أو نخيس به والله لا أفعل ولو قطعت رقبتي هذه ولكن تنقضي هذه الهدنة بيننا وبينكم فلما أبى عليهم خرجوا فابلغوا عبد الواحد» (2).
ومن هذين الموقفين المتباينين يتضح لكل ذي عينين من هو المحق أو
(1) السير، ج 1، ص 92. (2) الأغاني، ج 23، ص 238 - 239.