الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ١٧٤

174

الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه

المبطل من الطائفتين، طائفة لا تبالي أن تنتهك حرمات الحج، والمناسك العظام في البلد الحرام والشهر الحرام مؤلبة العامل الأموي على أن يحمل الحجيج على مقاتلة من جاء للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة حجة الله على عباده، والدعوة إلى تطبيق شرعه في أرضه، مسولين لأنفسهم أن هؤلاء لن يكونوا إلا أكلة رأس لقلتهم بين السواد الأعظم، فلم يروا حرجا في إبادتهم عن بكرة أبيهم ولو كانوا ملبين، محرمين، كافين أيديهم أن تمتد بالسوء إلى الحجيج أو غيرهم، وطائفة تأبى أن تنقض العهد أو تخيس فيه ولو قطعت، رقابها، فشتان لعمر الله بين الهدى والضلال وبين الورع والفجور. وقد شاء الله تعالى أن يوجف الحق قلب عبد الواحد، فلم يلبث أن غادر مكة في اليوم العاشر من ذي الحجة، فارا بجلده غير لاو على شيء، فتمكن أبو حمزة من إقامة موازين القسط فيها والصدع بكلمات الحق لتجلجل في جنباتها، من خلال خطبه التي ألقاها على منابرها، فأخذت بمجامع ووعتها قلوب واعية فخلدها التأريخ وتناقلتها الألسن، وكعادة أسلافه لم ينزع إلى التشفي والإثثار من أي أحد، وإنما كان التسامح شيمته، كما هي

سجيته وسجية من يحمل فكره.

الألباب،

العناية بالطائف

وجه أبو حمزة الشاري بعد استتباب الأمر بمكة المكرمة عنايته إلى الطائف، فجهز إليها جماعة من أصحابه، وقد ظن أهل الطائف أنهم لسفك دمائهم ونهب أموالهم، كما جرت العادة في حروب بني

جاؤوهم أمية، فقلقوا على أنفسهم، وغادر رجالهم بلدهم وتركوها للنساء، ولما دخلها جند أبي حمزة كانوا - كعادتهم - مثالا للتسامح وحسن المعاملة، فما وجدت النساء منهم إلا البر والإحسان وبسطوا الأمان لمن رجع