الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ١٧٧

القسم الأول: مظاهر الاستبداد

177

وعندما التقى الفريقان في قديد أبى أبو حمزة الشاري أن يشرع في القتال ـ كعادته ـ، حرصا على صون الدماء أن تسفك، والحرمات أن تهتك، فأصر على إقامة الحجة على أهل المدينة وهذا ما اتفق عليه المؤرخون قال البلاذري: «وأرسل المختار إليهم بلج بن عقبة ليدعوهم، فأتاهم في ثلاثين راكباً، فذكرهم الله، وسألهم أن يكفوا أيديهم عنهم حتى يسيروا إلى مروان وقال خلو لنا سبيلنا لنلقى من ظلمكم وجار في الحكم عليكم ولا تجعلوا حدنا بكم، فإنا لا نريد قتالكم فشتمهم أهل المدينة وقالوا: نخليكم وندعكم تفسدون في الأرض، فقالت الخوارج يا أعداء الله، ونحن نفسد في الأرض؟ وإنما خرجنا لنكف الفساد، ونقاتل من استأثر بالفيء عليكم فانظروا لأنفسكم، واخلعوا من لم يجعل الله له طاعة، فإنه لا طاعة لمن عصى الله وادخلوا في السلم وعاونوا أهل الحق» (1).

وبعد حوار بين الجانبين، قال القائد الأموي لبلج: ارجع إلى أصحابك فليس بيننا إلا السيف، فرجع إلى أبي حمزة وأخبره بنتيجة الحوار، وقد كان هذا بلا ريب إيذانا ببدء القتال، ولكن أبا حمزة - الرجل المتسامح الذي لم يکن متعطشا إلى الدماء، ولا من ديدنه التشفي والانتقام - أبى أن يناجزهم حتى يبدأوا بالقتال فأمر أصحابه أن يكفوا أيديهم عنهم، وما هي إلا هنيهة من الوقت فإذا بوابل من السهام يمطرهم بها أهل المدينة، وهنا ما كان مفر لأبي حمزة وأصحابه من مناجزتهم، فقال لأصحابه: «دونكم فقد حل الآن قتالهم» (2).

سعيد بن حزم الأندلسي، (ت: 456 هـ)، ج 1، ص. 150، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1424 هـ / 2003 م، الطبعة الثالثة، تحقيق: لا يوجد الحركة الإباضية في المشرق العربي، ص 121 - 122.

(1) أنساب الأشراف، ج 3، ص 240، وينظر: الأغاني، ج 23، ص 243، وشرح نهج البلاغة، ج 3، ج 5، ص 61، تاريخ بن خياط، ص 392.

(2) ينظر: المراجع السابقة.