الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ١٧٨

178

الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه

وهو موقف إن دل على شيء فإنما يدل على الاحتراز من الولوغ في الدماء، والحرص على وزن الخطى بموازين الشرع والتحكم في جيشان العواطف حال الاستفزاز من الطرف الآخر، ولم يمض إلا قليل من اليوم حتى انكشف أهل المدينة بعدما جندل عدد لا يستهان به من جنودهم قيل إنهم بلغوا ألفين ومائتين وثلاثين رجلا (1)، كما خلفوا كثرةً من الجرحى وولوا هاربين مع كثرة عَدَدِهم ووَفْرَةٍ عُدَدِهم، إذ كانوا أضعاف جند أبي حمزة، كما أنهم كانوا بحوزتهم من العتاد ما لم يكن عند أبي حمزة وأصحابه، إلا أن أولئك إنما كانوا يقاتلون ليلقوا الله فلذلك ثبتوا في الميدان ثبوت الرواسي. وقد جال الأستاذ مهدي طالب هاشم في بحث الأسباب التي أدت إلى انتصار جند أبي حمزة، الذين لم يكونوا يتجاوزون ألف مقاتل، على القائد الأموي وجنده، الذين كانوا بلغوا ثمانية آلاف مقاتل، وبعد استعراض عدد من الأسباب المفترضة، قال: «كان العامل الأساسي في انتصار الإباضية الاستشهاد في سبيل المبادئ التي يعتنقونها وقد امتازوا بصلابتهم وصمودهم في مسرح القتال، ويشير الشماخي إلى أنه لا يمكن للإباضي يفر من ساحة المعركة إلا أن يكون متحيزا إلى فئة، لأن الفرار من الزحف كبيرة لا تغتفر لدى الشراة الإباضية (2).

حبهم

أن

ولعمري؛ إن ما عزاه إليهم لا يعكس إلا تعاليم القرآن على سلوكهم في السلم والحرب، ومواقفهم في المكره، والمنشط، فالفرار من الزحف كبيرة توعد عليها القرآن في قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفا

15

لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّرًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَنَهُ جَهَنَّمُ

(1) الأغاني، ج 23، ص 245، شرح نهج البلاغة، ج 562.

(2) الحركة الإباضية في المشرق العربي، ص 127.