الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ١٨٢182
الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه
بفيئنا فجعلوه دولة بين الأغنياء منهم، وجعلوا مقاسمنا وحقوقنا في مهور النساء، وفروج الإماء، وقلنا لكم تعالوا إلى هؤلاء الذين ظلمونا وظلموكم، وجاروا في الحكم فحكموا بغير ما أنزل الله، فقلتم: لا نقوى على ذلك، ووددنا أنا أصبنا من يكفينا قلنا نحن نكفيكم ثم الله راع علينا وعليكم، إن ظفرنا لنعطين كل ذي حق حقه، فجئنا فاتقينا الرماح بصدورنا والسيوف بوجوهنا فعرضتم لنا، دونهم، فقاتلتمونا فأبعدكم الله، فوالله لو قلتم لا نعرف الذي تقول ولا نعلمه لكان أعذر، مع أنه لا عذر للجاهل، ولكن أبى الله إلا أن ينطق بالحق على ألسنتكم ويأخذكم في الآخرة.
ثم قال: الناس منا ونحن منهم، إلا ثلاثة حاكما جاء بغير ما أنزل الله، أو متبعا له، أو راضيا بعمله» (1).
وهي كلمات إن لم تكن دالة على صفاء الطوية وصحة المعتقد، ونقاء الفكر، واعتدال المسلك، وسلامة الهدف؛ فليس يصح في الأذهان شيء، فإن كل جملة منها يشع من مفرداتها نور الإيمان، وتعبر عما يعتمل بين حنايا قائلها من الغيرة على حرمات الله، والحرص على طاعته، والنصح لعباده، وكل ما دعا إليه فيها هو من صميم الدين، له أصل أصيل في کتاب الله المبين، وسنة نبيه الهادي الأمين صلوات الله وسلامه عليه، وهو عين ما دعا إليه السلف الصالح وتمسك به.
وقد أبان فيها أنه لم يكن الهدف من قيامه وقيام أصحابه حاجة في نفوسهم، أو غرضا دنيويا يحققونه، أو إثئارا ممن أصابهم بسوء، وإنما كان كله في إقامة الدين الذي اندرس، وتحكيم الكتاب الذي عطل، وإحياء السنة التي أميتت، والحفاظ على الحقوق التي أهدرت، وصون
همهم
(1) المرجع السابق، ج 4، ص 132 - 133، وينظر: جمهرة خطب العرب، ج 2، ص 476.