الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ١٨٥

القسم الأول: مظاهر الاستبداد

مو

185

راسم الحج، لتذكيرهم بحقوقهم المهدرة، ووجوب القيام عليهم لنصرة الحق كما نصره آباؤهم الأقدمون، ولكنه لم يعيروه إلا آذانا صما، لذلك صب عليهم قوارع الإنكار في كلامه، وقد أقام عليهم الحجة بتذكيرهم بحق الله تعالى فيما بأيدي الناس من المال، حيث قال: «يا أهل المدينة، أخبروني عن ثمانية أسهم، فرضها الله تعالى في كتابه على القوي للضعيف، فجاء التاسع وليس له منها ولا سهم، واحد فأخذ جميعها لنفسه مكابرا محاربا لربه، ما تقولون فيه وفيمن عاونه على فعله؟!» (1).

ولم يزل وهو ثاو في المدينة يستنفر من أهلها نخواتهم، ويحرك أوتار مشاعرهم وشعورهم، رهم، بتذكيرهم ما هم عارفوه من سيرة أسلافهم، ومقارنة ذلك بسيرتهم، وكان مما قاله في ذلك: يا أهل المدينة مالي رأيت

من

أهله

الدين فيكم عافيا وآثاره دارسة لا تقبلون عليه عظة ولا تفقهون حجة، قد بليت فيكم جدته وانطمست عنكم، سنته، ترون معروفه منكرا والمنكر من غيره معروفا، إذا انكشفت لكم العبر وأوضحت لكم النذر، عميت عنها أبصاركم وصمت عنها أسماعكم، ساهين في غمرة لاهين في غفلة، تنبسط قلوبكم للباطل إذا نشر، وتنقبض عن الحق إذا ذكر، مستوحشة من العلم مستأنسة بالجهل، كلما وقعت عليها موعظة زادتها عن الحق نفورا، تحملون منها في صدوركم كالحجارة أو أشد قسوة من الحجارة، أو لم تأن

لكتاب الله الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله.

يا أهل المدينة، ما تغني عنكم صحة أبدانكم إذا سقمت قلوبكم، إن الله قد جعل لكل شيء غالبا يقاد له ويطيع أمره، وجعل القلوب غالبة على الأبدان فإذا مالت القلوب ميلا كانت الأبدان لها تبعا، وإن القلوب لا تلين لأهلها إلا بصحتها، ولا يصححها إلا المعرفة بالله وقوة النية ونفاذ البصيرة، ولو

(1) نفس المرجع، ج 23، ص 251 - 252.