الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ١٨٦186
الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه
استشعرت تقوى الله قلوبكم لاستعملت بطاعة الله أبدانكم، يا أهل المدينة، داركم دار الهجرة ومثوى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما نبت به داره وضاق به قراره وآذاه الأعداء وتجهمت له فنقله إلى قوم لعمري لم يكونوا أمثالكم متوازرين مع الحق على الباطل ومختارين للآجل على العاجل، يصبرون للضراء رجاء ثوابها، فنصروا الله وجاهدوا في سبيله واووا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، وآثروا الله على أنفسهم ولو كانت خصاصة، قال الله تعالى لهم ولأمثالهم ولمن اهتدى بهداهم وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَيْكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9]، وأنتم أبناؤهم ومن بقي من خلفهم، تتركون أن الآذان، اتبعتم الهوى فأرداكم
بهم
تقتدوا بهم أو تأخذوا بسنتهم، عمي القلوب صم عن الهدى، وأسهاكم فلا مواعظ القرآن تزجركم فتزدجروا، ولا تعظكم فتعتبروا، ولا توقظكم فتستيقظوا لبئس الخلف أنتم من قوم مضوا قبلكم ما سرتم بسيرتهم ولا حفظتم وصيتهم ولا احتذيتم مثالهم، لو شقت عنهم قبورهم فعرضت عليهم أعمالكم لعجبوا كيف صرف العذاب عنكم). وكل هذه العبارات المتدفقة بالحجج إنما كانت تنبعث من الحسرة والأسى على ما أصاب الدين من التبديل وما لقيت الأمة من الظلم، وما شاع بين الناس من الاستخذاء والاستكانة للظالمين، فزادهم ذلك جرأة على ركوب الظلم والإغراق فيه، وكثيرا ما كان يتعرض لبيان الظلم الذي وقعت فيه الأمة، والفساد الذي انحطت إليه، كقوله في تعداد مثالب بني مروان: «أكلوا مال الله أكلا، ولعبوا بدين الله لعبا، واتخذوا عباد الله عبيدا، يورث ذلك الأكبر منهم الأصغر فيالها أمة ما أضيعها وأضعفها والحمد لله رب العالمين، ثم مضوا على ذلك من أعمالهم واستخفافهم بكتاب الله تعالى قد نبذوه وراء ظهورهم» (2).
(1) نفس المرجع، ج 23، ص 249 - 250.
(2) نفس المرجع، ج 23، ص 254.