الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ١٨٧القسم الأول: مظاهر الاستبداد
187
وفي استرساله في ذكر طغاتهم قال: ثم ولي يزيد بن عبد الملك، غلام ضعيف سفيه، غير مأمون على شيء من أمور المسلمين، لم يبلغ أشده ولم يؤانس، رشده، وقد قال الله رح: ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَهُمْ﴾ [النساء: 6] فأمر أمة محمد في أحكامها وفروجها ودمائها أعظم من ذلك كله، وإن كان ذلك عند الله عظيما، مأبون في بطنه وفرجه، يشرب الحرام ويأكل الحرام ويلبس، الحرام، ويلبس، بردتين قد حيكتا له وقومتا على أهلهما بألف دينار وأكثر وأقل، قد أخذت من غير حلها وصرفت في غير وجهها، بعد أن ضربت فيها الأبشار وحلقت فيها الأشعار واستحل ما لم يحل الله لعبد صالح ولا لنبي مرسل ثم يجلس حبابة عن يمينه وسلامة عن شماله، تغنيانه بمزامير الشيطان ويشرب الخمر الصراح المحرمة نصا بعينها حتى إذا أخذت مأخذها فيه، وخالطت روحه ولحمه ودمه وغلبت سورتها على عقله، مزق حلتيه، ثم التفت إليهما، فقال: أتأذنان لي أن أطير؟ نعم، فطر إلى النار، إلى لعنة الله وناره حيث لا يردك الله (1).
وهي شهادة أدلى بها أمام الجمهور بما كان يرتكب من قبل المتسلطين من محارم الله تعالى، وما كانوا يتلاعبون به من ماله الذي جعل فيه حقوقا لعباده، ومن المعلوم أن أهل المدينة الذين كان يخاطبهم بهذا كانوا عارفين بجرائم أولئك المتسلطين، وقد أراد أبو حمزة بهذا أن يقيم الحجة عليهم، بأنه لا يسوغ لهم أن يكونوا مع هذه الفئة بعدما انكشفت جرائرها، ووضح
لذي عينين ما كانوا يأتونه جهارا من نقض عرى الدين وهتك حرماته. ولم يكن أبو حمزة - مع صبره وصلابته وقوته وجلادته ـ بعيدا عن تأثير العاطفة على نفسه، فقد كان وهو بالمدينة المنورة يدور في ذاكرته شريط ذكريات صاحب الرسالة العظمى، التي أشرق نورها على العالم كله
(1) نفس المرجع، ج 23، ص 254 - 255.