الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ١٨٨188
الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه
من خلال دعوته الصادقة فى تلك الأرض الطهور، فلم يكن يملك عينيه وهو تجيش في نفسه هذه الذكريات العزيزة وتستأثر بقلبه تلك المواقف العظيمة، ويقارن بين حال المدينة عندما كانت مأرز الإسلام وقلعته الصلبة وحماه المصون، وما آلت إليه عندما تولى شأنها المفسدون ـ كما تولوا شأن الأمة جميعا ـ، فاجتمع فيها الخنا والمجون وعادت مسرحا للهو والغناء، ومظهرا للانحلال والميوعة، عندما عد من أعلامها دلال وطويس وأمثالهما. فعندما أتى أبو حمزة منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضع جبهته في الموضع الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع قدمه فيه، وبكى فاشتد بكاؤه، ثم قال: «ها، كُمْ قَدم عاص الله عاملة بغير كتاب الله، مؤثرة هواها على رضى الله ورسوله؛ قد وطئت موضع قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ بأبي هو وأمي -
-)) *
ثم استهل خطبته العصماء بحمد الله والثناء عليه، والصلاة والسلام على نبيه، وذِكْرِ طَرَفِ من مناقبه ال، وكان مما قاله: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل عليه الكتاب وبين له فيه السنن وشرع له فيه الشرائع، وبين له فيه ما يأتي وما يذر، فلم يكن يتقدم إلا بأمر الله ولا يحجم إلا عن أمر الله، يمده بملائكته ويضمن ظفر عاقبة الأمور، وأمر بالجهاد فصدع بأمر الله ومضى فيما أمره من مجاهدة أعدائه، ثم قبضه على منهج أنبيائه بعد تبليغه الرسالة وإنذاره وقيامه بالحجة وقد أعلم الناس معالم دينهم، وأدى الذي عليه من الحق لهم، ولم يذرهم في لبس ولا شبهة من أمر دينهم، ثم قبضه صلى الله عليه وسلم وقد أدى الذي عليه، لم يدعكم من أمركم في شبهة» (1).
وتقديم
(1) كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، سرحان بن سعيد الأزكوي، ج 5، ص 22، تحقيق أ. د. محمد حبيب صالح، د. محمود بن مبارك السليمي، ط 1، 1433 هـ /2012 م. وينظر: المجاهد أبو حمزة الشاري، مجموعة بحوث، ندوة من أعلامنا الثانية، عن المجاهد أبي حمزة الشاري، ص 103، المطابع العالمية، سلطنة عُمان، روي، 1410 هـ /1989 م.