الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ١٨٩القسم الأول: مظاهر الاستبداد
189
ومن المعلوم أن معظم الناس ركنوا إلى الباطل واستساغوا المنكرات وعافوا المعروف، ولهذا كانت نظرتهم إلى أبي حمزة الشاري وأصحابه ـ الذين جاؤوا ليُقَوِّمُوا عودهم ويردوهم إلى جادة الحق ـ نظرة سلبية، ولم يجدوا ما يحطون به أقدارهم إلا أن سوادهم الأعظم كان من فئة الشباب!! فرشقوهم بسهام الاتهام أنهم أهل طيش وسفه، فكانوا يقولون: «هؤلاء شباب أغمار سفيهة أحلامهم»، وقد شاع ذلك حتى نما إلى مسامع أبي حمزة، فوقف في بعض خطبه منبريا للدفاع عن هؤلاء الشباب، مؤكدا أنهم وإن كانوا في مرحلة الشباب فإنهم يجللهم الوقار، ويحليهم الإيمان وتستأثر بهم عبادة الله، ويحدوهم إليه الشوق الملح فهم رهبان بالليل ليوث بالنهار،
وقد أقام الحجة على خصومهم بأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا أيضا شبابا. وقد ألبس هؤلاء الشباب من حلية الأوصاف التي صاغتها عباراته المستأثرة بالألباب، المدهشة للعقول ما عد مثالا حيا لما يجب أن يكون عليه الشباب
الصالح، ويتصور أن يرقى إليه من مدارج الكمال ومعارج الشرف.
وقد اختلف الكاتبون فمنهم من ذهب إلى أن هذا الانتقاص كان بالمدينة المنورة، فدافع عنهم أبو حمزة قائلا: «يا أهل المدينة، بلغني أنكم تنتقصون أصحابي قلتم شباب أحداث وأعراب جفاة، ويلكم يا أهل المدينة، وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شبابا؟! .. شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضية عن الشر أعينهم ثقيلة عن الباطل أقدامهم، قد باعوا الله وعل أنفسا تموت بأنفس لا تموت قد خالطوا كلالهم بكلالهم، وقيام ليلهم بصيام نهارهم منحنية أصلابهم على أجزاء، القرآن، كلما مروا بآية خوف شهقوا خوفا من النار وإذا مروا بآية شوق شهقوا شوقا إلى الجنة، فلما نظروا إلى السيوف قد انتضيت والرماح قد شرعت وإلى السهام قد فوقت وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت؛ استخفوا وعيد الكتيبة، لوعيد الله وعل، ولم
6