الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ١٩٠190
الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه
يستخفوا وعيد الله لوعيد الكتيبة فطوبى لهم وحسن مآب فكم من عين في منقار طائر فاضت في جوف الليل من خوف الله عل، وكم من يد زالت عن مفصلها طالما اعتمد بها صاحبها في سجوده لله، وكم من خد عتيق وجبين رقيق فلق بعمد الحديد، رحمة الله على تلك الأبدان، وأدخل أرواحها الجنان، أقول قولي هذا وأستغفر الله من تقصيرنا وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب» (1).
ومنهم من عزاه إلى أهل مكة وذكر أن أبا حمزة خاطبهم بقوله: «يا أهل مكة تعيروني بأصحابي، تزعمون أنهم شباب وهل كان أصحاب رسول الله إلا شبابا؟! .. أما إني عالم بتتابعكم فيما يضركم في معادكم، ولولا اشتغالي بغيركم ما تركت الأخذ فوق أيديكم، نعم شباب مكتهلون في شبابهم، ثقال غبية عن الشر أعينهم بطية عن الباطل أرجلهم، قد نظر إليهم في جوف الليل، منثنية أصلابهم بمثاني، القرآن إذا مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقا إليها، وإذا مر بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير
قد
جهنم في أذنيه، قد وصلوا كلالهم بكلالهم، كلال ليلهم بكلال نهارهم، أكلت الأرض جباههم وأيديهم وركبهم، مصفرة ألوانهم ناحلة أجسامهم من
طول القيام وكثرة الصيام، مستقلين لذلك في جنب الله، موفون بعهد الله منجزون لوعد الله، إذا رأوا سهام العدو فوقت ورماحهم قد أشرعت وسيوفهم قد انتضيت وأبرقت الكتيبة وأرعدت بصواعق الموت استهانوا بوعيد الكتيبة لوعيد الله، مضى الشاب قدما منهم تختلف رجلاه عن
حتى
عنق فرسه، قد رملت محاسن وجهه بالدماء، وعفر جبينه في الثرى،
(1) تفسير الطبري، ج 4، ص 329 - 0 330، الأغاني، ج 23، ص 250، وص 256، الكامل في التأريخ، ج 5، ص 50، شرح نهج البلاغة، ج 5، ص 63 وص 66، نهاية الأرب في فنون الأدب، ج 21، ص 35، جمهرة خطب العرب، ج 2، ص 5
475