الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ١٩

القسم الأول: مظاهر الاستبداد

19

نفوذ الأباطرة الساسانيين أحسن حالا من الشعوب التي كانت تحكم من

هو

قبل أباطرة الرومان، إذ لم تكن للإنسان قيمة في حكمهم، إلا ما للحيوان الأعجم والجماد الميت، وكانت ثرواتهم تعتصر ليتدفق خيرها على خزائن الأباطرة، ناهيك بما ذكره الطبري عمن كان يعد أرحمهم قلبا وأرقهم شعورا حتى كان يعرف بالملك العادل وهو كسرى أنو شروان، فقد فكر أن أرض ممالكه ويفرض ضريبة ثابتة على كل ما فيها من زرع وغرس وعين ونهر كل بقدره فعرض ذلك على فئات من طبقات الناس يستشف رأيهم فيما عزم عليه.

يمسح

قال الطبري: «فلم يشر عليه أحد منهم فيه بمشورة ولم ينبس بكلمة، فکرر کسرى هذا القول عليهم ثلاث مرات فقام رجل من عرضهم وقال لكسرى: أتضع أيها الملك - عمرك الله - الخالد من هذا الخراج على الفاني من كرم يموت وزرع يهيج ونهر يغور وعين أو قناة ينقطع ماؤها، فقال له كسرى: يا ذا الكلفة المشؤوم من أي طبقات الناس أنت؟ قال: أنا رجل من الكتاب، فقال:کسري اضربوه بالدوى حتى يموت فضربه بها الكتاب خاصة تبرؤا منهم إلى كسرى من رأيه وما جاء منه حتى قتلوه، وقال الناس: نحن راضون أيها الملك بما أنت ملزمنا من خراج (1).

فانظر كيف يستشيرهم ثم يأمر بقتل من أشار بخلاف رأيه!! وإذا كان

هذا أرقهم قلبا وألطفهم معشرا وأعدلهم حكما، فما بالك بغيره؟!.

ومع

هذا؛ فقد كان الأكاسرة يعدون عنصرا مقدسا عند المجوس، حيث كانوا يرسخون في الفكر العام أن دماءهم أطهر الدماء وأزكاها، وطبائعهم

(1) تاريخ الطبري، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري (ت: 310 هـ)، ج 1، ص 451، دار الكتب العلمية، بيروت.