الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ١٩١

القسم الأول: مظاهر الاستبداد

191

وأسرعت إليه سباع الأرض، فكم من عين في منقار طائر طال ما بكى صاحبها من خشية الله، وكم من كف قد بانت بمعصمها طالما اعتمد عليها صاحبها في سجوده في جوف الليل لله، وكم من خد رقيق وجبين عتيق قد فلق بعمد الحديد، رحمة الله على تلك الأبدان، وأدخل أرواحها الجنان» (1).

بظله

يوم

ولعل هؤلاء وهؤلاء نزعوا هذا المنزع في الاستخفاف بهذه الفئة المؤمنة، التي كان شبابها جمالا لها ووقارا، لأنهم من الصنف الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وشاب نشأ في عبادة الله» (2)، فهم موعودون بأن يظلهم الله لا ظل إلا ظله، وقد انبرى قائدهم أبو حمزة يدفع في صدور متهميهم بهذه الحجج الدالة على أن شبابهم لم يكن عارا عليهم، وإنما كان شرفا وفخارا، إذ لم يكونوا من جنس الشباب اللاهي الذي لا هم له إلا أن يتسكع في الطرقات، وأن يغازل الحسان ويحسو الخمور وينغمس في أوحال الرذيلة، ولكنهم كانوا شبابا يتزاحم في قلوبهم خوف الله ورجاؤه، فنذروا الله حياتهم وقدموا إليه مهجهم ودفعوا في حياتهم ضريبة العرق والأرق والدمع والدم ثمنا لجنة عرضها السموات والأرض.

ونجد الناس مبهورين ببلاغة أبي حمزة مأخوذين بطلاوة أسلوبه وقوة سبكه في عباراته، ولذلك صارت خطبه من بين الخطب المشهورة في العالم، وصار معدودا من أبرز خطباء العرب، وتصدرت خطبه النصوص الأدبية التي تدرس في فن الأدب، لا سيما المقطع الذي فيه وصف أصحابه

(1) تاريخ ابن خياط، ص 386، أنساب الأشراف، ج 3، ص 239، العقد الفريد، ج 4، ص 131. (2) أخرجه الربيع، ص 39 رقم 48، وأحمد (439/ 2، رقم (9663)، والبخاري (234/ 1، رقم 629)، ومسلم (715/ 2، رقم (1031)، والنسائي في الكبرى (461/ 3، رقم 5921)، والترمذي (598/ 4، رقم (2391)، وابن حبان (338/ 10، رقم 4486). ابن خزيمة (185/ 1، رقم 358).