الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ١٩٢192
الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه
والدفاع عنهم، والحق أن أبا حمزة كان علما في بلغاء العرب، وكانت عباراته من جواهر الكلمات التي تزين العربية، ولكن السر في قوة تأثير عباراته وامتلاكها الألباب ليس في كلامه فحسب، وإنما هو في الروح الحية الدافقة السارية في كل كلمة من كلماته، وهي روح الصدق والإيمان والإخلاص لله تعالى والتفاني في نصرة الحق، فلم تكن كلماته تصنعا أو تجملا ليلفت انتباه الناس إليه ويشدهم إلى شخصيته وإنما كانت نابعة من صميم قلبه وعمق فطرته بل كانت نبضات قلبه وإيحاءاتِ مشاعره وأحاسيسه، وقد صدقها، عمله، وزكاها، إخلاصه وزينها صدقه وأمانته، فكانت كما قال تعالى: (أَلَمْ تَرَكَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتُ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [إبراهيم: 24 - 25)، فهـ كلمات لا تنم إلا عن الحقيقة ولا تحكي إلا الصدق:
24
وَإِنَّ أَشْعَرَ بَيتٍ أَنتَ قَائِلُهُ بيت يُقالَ إِذا أَنشَدَتَهُ صَدَقا ولم يكن وصفه لأصحابه اعتباطا وإنما كانت أعمالهم وأحوالهم ترجمة حية لما قاله فيهم.
أبو حمزة وأصحابه في مواجهة أهل الشام
ما كان للطغاة في الشام أن يسكتوا عن هذا الأمر الجلل، الذي وقع باليمن والحجاز، فأقلقهم وأقض مضجعهم، فإنهم بلا ريب يدركون أن طالب الحق وأبا حمزة لم يكونا ليدعاهم يمرحون في غيهم ويسرحون في هواهم، وإنما قاموا لينتزعوا هذا الأمر من يد الظلم، ويرفعوا عن الناس وطأة العسف، والجور، ويعيدوا الحق إلى نصابه، ويحيوا ما أميت من حكم الله ويميتوا ما أحيي من حكم الطاغوت، لهذا أعد مروان الطاغية لمواجهة