الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ١٩٥القسم الأول: مظاهر الاستبداد
6
195
وما كان هذا الموقف الحذر من أبي حمزة ومن معه إلا إمعانا في الحذر من إراقة قطرة دم إلا بحجة بينة وبرهان من الله تعالى، وليت شعري؛ أي حرمة لدماء هؤلاء تبقى بعد هذه البذاءة في الكفر والمجاهرة بالفساد والغلواء فى العناد؟! … ولا أعجب إلا ممن استمات في الدفاع عنهم، وتسفيه خصومهم وتضليلهم بعد قيام هذه الحجج وانكشاف خباياهم، والله الأمر
من قبل ومن بعد.
وبعد ما أبلى أبو حمزة وأصحابه الشراة بلاء حسنا، أكرمهم الله تعالى بالشهادة، ليجمع لهم كلتا الحسنيين، فقد أكرمهم الله أولا بالنصر والتمكين، لتقوم بأعمالهم الحجة وتتضح بسلوكهم المحجة، ولتشع كلماتهم التي ترددت في الحرمين الشريفين نورا، إذ كانت شهبا تجمع بين سناء النور ولهيب النار، فهي نور يهدي إلى الحق والحقيقة ونار تشتعل في قلوب الحاقدين، وقد حفظتها ذاكرة التأريخ ووعاها قلب الزمن، لتكون حجة في كل جيل يهتدي بها المهتدون وينكص عنها الناكصون، وأكرمهم بعد ذلك بالشهادة ليفوزوا برضوانه، ويبوؤا إلى جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا. بايع صحبه على الشرا وما طال زمانه إلى أن أكرما
نالوا الشهادة التي قد طلبوا وبرضى الرحمن فيها انقلبوا وعندما انقلبوا إلى الله تعالى خفت صوت الحق الذي كان يجلجل من ألسنتهم بالدعوة إلى الله، وإقامة حجته على عباده، وإيضاح المحجة الصحيحة لهم، إذ عاد الفساد برمته إلى الحرمين الشريفين، فبرز المغنون والمفسدون من جديد، فتجددت حياة الترف والمجون التي امتلأت بها دواوين القصص والأدب ككتاب ألف ليلة وليلة) و (الأغاني)، و (محاضرات الأدباء)، و (العقد الفريد).