الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ٢٠٠

الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه

فالناس ثلاثة أصناف كما قسمهم العلماء:

1 - صنف يفنى في ذاته وملذاته وأنانيته وشهواته، ثم لا يبالي إن وسع

داره أن

يهدم جاره، وهم يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار

مثوى لهم، وهذا صنف هالك نعوذ بالله منه ولا حديث لنا عنه.

2 - وصنف صلح في ذات نفسه واشتغل بعبادة ربه وتحصيل رزقه، ومن بيته لمسجده ولا شأن له بغيره، وهذا لا بأس به فقد أصلح أمره وعزل عن الناس شره.

- وصنف اشتغل بإصلاح نفسه وكسب رزقه كسابقه، لكنه لم يكتف بهذا، بل اشتغل بإصلاح غيره تطوعا واحتسابا يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، وهذا صنف يعتبر بأرفع درجات الكمال الإنساني الذي يتبوأ ذروته النبيون والمؤمنون الأمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله.

وهم ينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33، ولا نعلم قوما انتدبوا لمثل هذا العمل واحترفوا مقاومة الطغيان واحتسبوا تغيير المنكر بالسيف والسنان مثل الخوارج، أو على الأصح الإباضيين، منهم فهم الذي أخذوا أنفسهم بالإسلام عقيدة وشريعة ومنهاجا وتطبيقا بكل إخلاص وقوة، وألزموا أنفسهم الجد والزهد والجهاد في سبيل الله والمستضعفين احتسابا، وقربى في زمان فتحت على الناس فيه الدنيا بزينتها وفتنها كما يدخل الليل على النهار فأزلتهم وأذلتهم، إلا هؤلاء الشراة الذين اعتصموا بالله فقد بقوا على فطرتهم وثباتهم وصلابتهم شاكي أسلحتهم كلما سمعوا هيعة طاروا لها. قال ابن عبد ربه: «ليس في الفرق كلها

أشد بصائر من الخوارج، ولا أشد اجتهادا ولا أوطن أنفسا على الموت منهم».