الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ٢٢22
الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه
والاستبداد، ويحرر رقابهم من العبودية لغير الله، فلم يقبضه الله إليه إلا وغدت الجزيرة العربية واحة ينعم فيها الإنسان بالحرية، بعدما فكت عنها أغلال العبودية لغير الله على أنها كانت قبل ذلك كغيرها من بلاد العالم يلفحها هجير الظلم والجور، وتكبلها قيود الاستعلاء والاستكبار.
وعندما قبضه الله إليه قامت خلافة راشدة كان هديها امتدادا لهدي نبوته، فعمرت الأرض بالعدل والإحسان، وفتحت آفاقها لتنعم أطرافها بهذه النعمة، ولتتمتع الإنسانية بحريتها وكرامتها، وليقوم الناس جميعا على قدم المساواة، لا يتقدم أحد أحدا إلا بقدر ما يقدمه عمله وإخلاصه وتقواه، وكان الخليفة كواحد من الرعية يحاسب من خاصتها وعامتها كما يحاسب الأجير ممن أتجره. ولكن لم تكد تنطوي الخلافة الراشدة حتى انطوى معها العدل، وذهبت معها حرية الإنسان وقيمته وكرامته فقد عادت الجاهلية بشراستها لتحكم الناس بالعسف، والاستبداد ولتسلبهم حقوقهم، ولتذيقهم من الهوان أمره، وتجرعهم من الذل، أغصه ويصور الداعية الكبير العلامة أبو الأعلى المودودي هذا الواقع الذي كان حلوا أوله ومرا آخره بقلمه الموهوب، فقد قال بعد وصف إنجاز النبي صلى الله عليه وسلم ما أنجزه:
كل هذا أتمه خاتم النبيين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في مدة 23 سنة، ثم قدر الله للأمة زعيمين عظيمين؛ أبا بكر الصديق وعمر الفاروق، واصلا عمله بجميع شعبه ونواحيه، ثم انتقل الأمر بعدهما إلى سيدنا عثمان له
كاملاً
وبقي على ما أقامه النبي إلى عدة من السنين في صدر ذلك العهد، ولكن أمر الخلافة آل إلى السعة والتقدم على مضي الأيام تبعاً لاتساع رقعة الدولة الإسلامية بسرعة والخليفة الثالث الذي ألقي عليه عبء هذا العمل الجليل كان لا يتصف بتلك الخصائص التي أوتيها العظيمان اللذان سبقاه، ووجدت الجاهلية سبيلها إلى النظام الاجتماعي الإسلامي، وأن تيارها