الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ٢٣

القسم الأول: مظاهر الاستبداد

23

الجارف وإن حاول عثمان سده ببذل نفسه ومهجته إلا أنه لم ينكف، ثم

خلفه علي ـ كرم السلطة السياسية للإسلام من تمكن الجاهلية منها، ولكنه لم يستطع أن يدفع هذا الانقلاب الرجعي المركوس حتى بذل نفسه، فانتهى بذلك عهد الخلافة على منهاج النبوة، وحل محلها الملك العضوض، وبدأ الحكم يقوم على قواعد الجاهلية، بدلاً من قواعد الإسلام.

الله وجهه ـ، واستفرغ جهده لمنع هذه الفتنة، وصيانة

ولما أصبح الحكم إلى الجاهلية جعلت عدواها تسري إلى الحياة الاجتماعية، وتدب فيها دبيب السرطان في الجسم الحي، ولا غرو فقد كانت مقاليد السلطة بيدها لا بيد الإسلام وكان الإسلام ـ بعد أن فقد قوة الحكم ـ لا يمكن أن يمنع أثرها من النفوذ، وسلطانها من الامتداد.

وآفة الآفات أن الجاهلية لم تمثل بين يدي القوم في حقيقتها العارية المكشوفة، بل واجهت الناس لابسة قناع الإسلام، ملونة بلونه، ولو كان إزاء الإسلام قوم من الملاحدة والكفار والمشركين الصرحاء لهان الخطب وسهل الكفاح، ولكنهم كانوا قوماً كانت علانيتهم الإقرار بالتوحيد، والإيمان بالرسالة والمحافظة على الفرائض والاستشهاد بكتاب الله وسنة الرسول، وفي باطن أمرهم كانت الجاهلية تعمل عملها من وراء حجاب، وإذا اجتمعت الجاهلية والإسلام على هذا الوجه في كائن واحد فلابد أن تحدث المشكلات والمعضلات التي تكون معالجتها أصعب وأشق ألف مرة من مقاومة الجاهلية المحضة، فإنك إن قمت تحارب الجاهلية الصريحة التف من حولك مئات الألوف من المجاهدين ينصرونك عليها، ولم يتجرأ أحد من المسلمين أن يساعدها عليك، ولكنك إن خرجت تحارب هذا الممزوج بين الجاهلية والإسلام، لم يستعد للذب عنها المنافقون وحدهم، بل انبرى كثير من المسلمين المخلصين وأقبلوا عليك يلومونك ويتهمونك.