الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ٢٤24
الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه
ومن الحق لعمر الله أن اعتلاء المسلم سرير الحكم الجاهلي، وتقلده زعامة السياسة الجاهلية، وأن شغل المسلم وظيفة المعلم في معهد التعليم الجاهلي وتوليه المشيخة الجاهلية لخدعة خادعة قلّ من يسلم من الوقوع في حبائلها.
وكان أشد وأخطر ما في هذا الانقلاب المركوس، أن جاءت الجاهلية بأنواعها الثلاثة لابسة لباس الإسلام، وجعلت تتأصل في المجتمع العربي الإسلامي وتتمشى فيه، وغدت آثارها تزداد انتشاراً على مرور الأيام، فأما الجاهلية المحضة فعمدت إلى الدولة والحكومة فهيمنت عليها وانقلبت الخلافة قيصرية جاء الإسلام بقطع دابرها ولم تبق فيها من الخلافة إلا اسمها، احتالوا بأخذهم بالأثر المروي «السلطان ظل الله» وتبوأ الملوك والأمراء بهذه الحيلة منزلة المطاع التي هي خاصة للإله، واسترسل الأمراء والحكام والولاة ورجال الجيش والمترفون إلى الجاهلية المحضة في هذه الملكية، وتأثرت حياتهم في قليل أو كثير بوجهة نظرها، وفسدت أخلاقهم ومعيشتهم بعاهتها.
وكان من الطبيعي أن يصحب ذلك كله رواج فلسفة الجاهلية وآدابها وفنونها، فتدون العلوم والمعارف على طرازها، إن هذه الأمور تتطلب رعاية الدولة وإشرافاً من الحكومة، ولما كانت هاتان تحت استيلاء الجاهلية، لم يکن بد من استيلائها أيضاً على تلك الأمور» (1).
وقد اتضح من كلامه هذا ما رزئت به الأمة في تلك الحقبة التأريخية السوداء المظلمة، من فقد خصائص دين الإسلام التي جاء بها النبي ال وطبقت في الخلافة الراشدة، ومن أهمها العدل واستقامة القمة والقاعدة
(1) موجز تاريخ تجديد الدين وإحيائه طبع دار السعودية للنشر والتوزيع، ص
40 - 43