الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ٢٥

القسم الأول: مظاهر الاستبداد

6

25

وحرية التعبير ومحاسبة الخليفة على كل ما يصدر عنه والرجوع عند الاختلاف في كل شيء إلى الله ورسوله؛ فقد أصبح الحكم مطلقا في يد شخص واحد، تساعده بطانة من جنسه، تتزلف إليه بكل شيء من غير مبالاة بسخط الله الله، وتسفك لأجله الدماء، وتنهب لإرضائه الأموال،

6

وتنتهك كل حرمة من الحرمات وتنشر بين الناس فكرة الطاعة المطلقة له، من غير أن يكون لهم أن يطالبوا بحق، أو أن يدفعوا عن كرامة، أو أن يحموا حرمة، أو يتمتعوا بحرية في شيء.

وبناء على هذا؛ كان ذلكم الفرد المتسلط هو المالك المطلق لثروة الأمة، يسخرها في شهواته، ويبذرها في ملذاته، من غير أن يحسب حسابا للجماهير المحرومة التي تتضور جوعا، وتعاني من حرمان أقل حقوقها وأدنى ما يعيش عليه المرء من شظف العيش ونكد الحياة، وقد صور الداعية الكبير العلامة المفكر أبو الحسن الندوي في كتابه القيم (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين هذه الحالة التي عانتها الأمة في تلك الحقبة من الدهر ورسم بيراعه السيال الموهوب تلك الصورة الشوهاء لذلك التأريخ المحلولك البغيض أبدع رسم حيث قال:

«لقد أتى على العالم العربي عهد في التاريخ كانت الحياة فيه تدور حول فرد واحد - وهو شخص الخليفة أو الملك ـ أو حول حفنة من الرجال هم الوزراء وأبناء الملك - وكانت البلاد تعتبر ملكاً شخصياً لذلك الفرد السعيد والأمة كلها فوجاً من المماليك والعبيد، ويتحكم في أموالهم وأملاكهم ونفوسهم وأعراضهم، ولم تكن الأمة التي كانت يحكم عليها إلا ظلاً لشخصه ولم تكن حياتها إلا امتداداً لحياته.

لقد كانت الحياة تدور حول هذا الفرد بتاريخها وعلومها وآدابها وشعرها وإنتاجها، فإذا استعرض أحد تاريخ هذا العهد أو أدب تلك الفترة من الزمان