الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ٢٤٧القسم الأول: مظاهر الاستبداد
247
عصى
أنه وهو أباه إذ لم يمتثل لأمره عندما قال له: {يَبُنَيَّ أَرْكَب مَعَنَا [هود: 42]، ورد عليه بقوله: ﴿سَاوِى إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود: 43]، ولم تشر الآية من قريب ولا بعيد إلى أنه كان كافرا برسالة أبيه، ولو أنه كان متلبسا بذلك لم يكن معنى لتعليل هذا الحكم بما هو أدنى منه، إذ لا يترك السبب الأكبر ويعدل عنه إلى ما هو أصغر منه، ومن المتبادر للذهن أن نوحا ل لو علم من ابنه أنه كان كافرا برسالته لما دعاه إلى الركوب معه، أنه بنفسه قال: ﴿رَبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: 26]، وبناء مع على زعم من يزعم أن الكبيرة التي هي دون الشرك لا توجب البراءة لا يبقى وجه لتعليل هذا الحكم بأنه عَمِل غير صالح. ولما علل بهذا، ظهر بكل وضوح أن العمل غير الصالح عندما يصدر من أحد فهو موجب للبراءة قطعا. ولا يقال بأن هذا مما يرجع إلى الشرائع السابقة على شريعة نبينا، فلسنا متعبدين به، لأننا نقول إن هذا من الأصول الثابتة التي تشترك فيها جميع شرائع الله، ولا يصح النسخ فيها كالتوحيد ومكارم الأخلاق، لأن هذا من الغيرة على دين الله والغضب لانتهاك محارمه والتعدي على أوامره ونواهيه، فلا يسوغ التساهل في ذلك في أي شريعة من شرائعه، وهذا مما أمرنا أن نقتدي فيه برسل الله المصطفين الأخيار ومواقفهم الصلبة الناشئة عن غيرتهم على الدين، كما قال تعالى: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَتْهُمُ اقتدة﴾ [الأنعام: 90)، على أن القرآن الكريم جاءت نصوصه متوائمة مع هذه القاعدة التشريعية التي تستفاد من قصة نوح مع ابنه، فقد قال تعالى: ﴿لًا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا وَابَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: 22]، ويا ترى أليس الإمام الجائر الذي عاث في الأرض فسادا، وبدل أحكام الله، وانتهك حرمه، وظلم عباده؛ محادا الله تعالى ولرسوله.