الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ٢٦

26

الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه

وجد هذه الشخصية تسيطر على الأمة أو المجتمع، كما تسيطر شجرة باسقة على الحشائش والشجيرات التي تنبت في ظلها وتمنعها من الشمس والهواء، كذلك تضمحل هذه الأمة في شخص هذا الفرد وتذوب فيه وتصبح

أمة هزيلة لا شخصية لها ولا إرادة ولا حرية لها ولا كرامة.

وكان هذا الفرد هو الذي تدور لأجله عجلة الحياة، فلأجله يتعب الفلاح ويشتغل التاجر ويجتهد الصانع، ويؤلف المؤلف وينظم الشاعر، ولأجله تلد الأمهات، وفي سبيله يموت الرجال وتقاتل الجيوش، بل ولأجله تلفظ

الأرض خزائنها ويقذف البحر نفائسه وتستخرج كنوز الأرض خيراتها. وكانت الأمة - وهي صاحبة الإنتاج وصاحبة الفضل في هذه الرفاهية كلها - تعيش عيش الصعاليك أو الأرقاء المماليك، وقد تسعد بفتات مائدة الملك وبما يفضل عن حاشيته فتشكر، وقد تُحرم ذلك أيضاً فتصبر، وقد تموت فيها الإنسانية فلا تنكر شيئاً بل تتسابق في التزلف وانتهاز الفرص.

يصور

هذا هو العهد الذي ازدهر في الشرق طويلاً وترك رواسب في حياة هذه الأمة ونفوسها وفي أدبها وشعرها، وأخلاقها واجتماعها، وخلّف آثاراً باقية في المكتبة العربية، ومن هذه الآثار الناطقة كتاب (ألف ليلة وليلة) الذي ذلك العهد تصويراً بارعاً، يوم كان الخليفة في بغداد أو الملك في دمشق أو القاهرة هو كل شيء، وبطل رواية الحياة ومركز الدائرة، إن هذا العهد الذي يمثله كتاب (ألف ليلة وليلة بأساطيره وقصصه، وكتاب الأغاني بتاريخه وأدبه، لم يكن عهداً إسلامياً، ولا عهداً طبيعياً معقولاً، فلا يرضاه الإسلام ولا يقرّه العقل، بل إنما جاء الإسلام بهدمه والقضاء عليه، فقد كان هذا هو العهد الذي بعث فيه محمد صلى الله عليه وسلم فسماه الجاهلية ونعى عليه وأنكر علي ملوکه ـ ککسرى وقيصر - وعلى أثرتهم وترفهم أشد الإنكار.