الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ٢٥٤

254

الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه

ثم أضاف الكاتب الكريم إلى ما تقدم قوله: «ولعل أول داعية إباضي قدم هذه البلاد فارا من قبضة ملاحقيه هو سلمة بن سعد؛ الذي عرف كيف يتنقل في البلاد وأي الشعاب يسلك حتى يأمن ظلم الظالمين، ويضمن لعمله التوفيق ولرسالته الانتشار فاختار الطرق الجبلية البعيدة عن الصحراء القاحلة وأهوالها، وعن المناطق الساحلية الخاضعة لسلطة الولاة وبجبال نفوسة ودمر ونفزاوة وما والاها من المرتفعات والجبال وكلها مناطق آهلة بالسكان كثيرة العمران … أمكن له أن يستقر ويقوم في صفوف البربر بالدعوة، موضحا للأذهان الصورة الصحيحة للإسلام في الاعتقاد والعبادة والمعاملة، وهي غير الصورة التي شاهدها الناس في الحاكمين وأتباعهم في ذلك الوقت، فالتف من حوله الناس مستجيبين لدعوته، وراح يتنقل من مكان إلى آخر وما ارتحل من موضع إلا خلف فيه أتباعا … تكاثروا مع مرور الأيام والأعوام

حتى صار لهم شأن وأضحوا يمثلون قوة يقرأ لها ألف حساب» (1).

ولا ريب - أيها القارئ الكريم - أنك اطلعت في كلامه هذا على ما يدلك على أن هذه المدرسة إنما مهمتها تصحيح طريق الإسلام بعدما حرفت، وتحسين صورته بعدما شوهت لأجل ذلك كانت مغامرة ذلك الداعية العظيم سلمة بن سعد في تلك الأماكن الوعرة والديار السحيقة. وأرجو أن يأذن لي الكاتب الكريم بتصحيح جزئية يسيرة من كلامه الصادق الأمين، وهي أن انطلاق سلمة بن سعد إلى بلاد المغرب لم يكن فرارا من ملاحقة خصومه بالمشرق، وإنما كان مسؤولية تحملها بنفسه، لبث الدعوة في تلك البلاد بعدما تعرضت للاضطهاد والقسوة البالغة والتمييز العنصري من قبل ولاة بني أمية، الذين لم يدخروا وسعا في إهانة العنصر البربري الذي هو المواطن الأصلي في تلك الديار، وبما أنهم يرفعون شعار

(1) المرجع السابق، ص 105.