الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ٢٥٨

258

الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه

والظاهر أن أهل القيروان وقد ضاع عنهم رشدهم وانخرمت صفوفهم بفقدهم لقيادة شعبية يقوم بها شخص منهم فيوجههم إلى أقوم السبل، ويجنبهم الارتجال والتصرفات الطائشة التي تعود عليهم بالوبال؛ الظاهر أنهم قد وجدوا في شخص عبد الرحمن بن رستم قائدا رشيدا وزعيما بصيرا في هذا الظرف الخطير من حياتهم. كان عبد الرحمن متباعدا عن السياسة منكبا على التعليم والتبصير بالدين، فحركته هذه الأحداث، وهزته النكبة التي حلت بالقيروان هزا عنيفا فنهض لمحق الظلم وتطهير الأرض من إثم الحاكمين وعبث المفسدين …

فبادر يستنجد بزميل له في حلقات الدروس بالبصرة سابقا، قاوم ظلم الولاة من بني العباس بطرابلس فدانت له البلاد واختارته إماما عليها لعدله واستقامته. هذا هو أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري، وجه إليه عبد الرحمن بن رستم من صور له بشاعة ما يجري بالقيروان، فهب لأداء الواجب الذي يفرضه عليه التعاطف الأخوي ويحتمه مبدأ من أهم المبادئ لمذهبه ألا وهو مقاومة أولي الأمر بالسيف واستباحة دمائهم إذا تعدوا حدود الله ومالوا في أحكامهم إلى الهوى. وقدم أبو الخطاب في جيش عظيم تطوع لإقامة العدل ومحق الفساد والظلم الذي اقترفه عاصم الورفجومي وأتباعه … فكان له النصر.

ثم بعد أن أمن الناس حافظا أرزاقهم وأعراضهم، ولى على القيروان عبد الرحمن بن رستم ورجع إلى طرابلس. ودامت ولاية ابن رستم سنتين اثنتين ذاق المسلمون فيها بالقيروان وبإفريقية كلها طعم الأمن وعرفوا معنى العدل، وأدركوا لأول مرة تقريبا طعم العيش الكريم في ظل الحكم

الإسلامي النظيف» (1).

(1) المرجع السابق، ص 106 - 109.