الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ٢٧

القسم الأول: مظاهر الاستبداد

27

إن هذا العهد غير قابل للبقاء والاستمرار في أي مكان وفي أي زمان ولا سبيل إليه إلا إذا كانت الأمة مغلوبة على أمرها أو مصابة في عقلها أو فاقدة الوعي والشعور أو ميتة النفس والروح. إن هذا الوضع لا يقره عقل، ومن الذي يسوّغ أن يتخم فرد أو بضعة أفراد بأنواع الطعام والشراب ويموت آلاف جوعاً ومسغبة؟! ومن الذي يسوغ أن يعبث ملك أو أبناء ملك بالمال عبث المجانين والناس لا يجدون من القوت ما يقيم صلبهم ومن الكسوة ما يستر جسمهم ومن الذي يسوغ أن يكون حظ طبقة ـ وهي الكثرة ـ الإنتاج وحده والكدح في الحياة والعمل المضني الذي لا نهاية له، وحظ طبقة - وهي لا تجاوز عدد الأصابع - إلا التلهي بثمرات تعب الطبقة الأولى من غير شكر وتقدير وفي غير عقل ووعي، ومن الذي أن يشقى أهل الصناعة وأهل الذكاء وأهل الاجتهاد وأهل المواهب وأهل الصلاح، وينعم رجال لا يحسنون غير التبذير ولا يعرفون صناعة غير صناعة الفجور وشرب الخمور؟! ومن الذي يسوغ أن يُجفى أهل الكفاية وأهل النبوغ وأهل الأمانة ويقصوا كالمنبوذين ويجتمع حول ملك أو أمير فوج من خساس النفوس وسخفاء العقول وفاقدي الضمائر ممن لا هم لهم إلا ابتزاز الأموال وإرضاء الشهوات، ولا يحسنون فناً من فنون الدنيا غير التملق والإطراء والمؤامرة ضد الأبرياء، ولا يتصفون بشيء غير فقدان الشعور وقلة الحياء.

يسوغ

إنه وضع شاذ لا ينبغي أن يبقى يوماً فضلاً يبقى يوماً فضلاً عن أن يبقى أعواماً.

إنه إن سبق في عهد من عهود التاريخ وبقي مدة طويلة فقد كان ذلك على غفلة من الأمة أو على الرغم منها، وبسبب ضعف الإسلام وقوة الجاهلية، ولكنه خليق بأن ينهار ويتداعى كلما أشرقت شمس الإسلام واستيقظ الوعي وهبت الأمة تحاسب نفسها وأفرادها» (1).

(1) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، أبو الحسن الندوي، ص 288 – 290، ط. دار الكتاب العربي، بيروت.