الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ٢٧٤274
الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه
حسب اعتقادهم الباطل - لا يسوغ أن يعاملوا بالمثل فتستباح أموالهم، وإن أباح بغيهم قتالهم بعد إقامة الحجة عليهم.
وقد اعترض على أبي الخطاب أحد أصحابه ـ وهو خالد اللواتي - جنوحا منه إلى معاملتهم بالمثل، ولعله بنى رأيه على ما تراءى له من معنى في قوله تعالى: ﴿وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةُ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: 40]، وقوله: ﴿وَالْحُرُمَتُ قِصَاصُ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194]، ولكن أبا الخطاب أبى ذلك لأنهم لم يخرجوا عن دائرة الملة، ومهما كان ضلالهم وبغيهم فإن كلمة التوحيد تعصم أموالهم، فلما قال له: نأكل من أموالهم كما يأكلون من أموالنا. قال أبو الخطاب حقيق على الله أن يدخلنا معهم النار، كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أَخْنَهَا حَتَّى إِذَا أَذَارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَتَهُمْ لِأُولَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَشَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلِّ ضِعْفُ وَلَكِن لَّا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 38].
وبناء على هذا المبدأ القويم حذر أبو الخطاب أصحابه أن تمتد أيديهم إلى شيء من أسلاب خصومهم، وكان الناس قد عهدوا من قبل في هذه الحروب نهب الأموال وتخريب الأمتعة التي يتعذر أو يتعسر نهبها، وكانوا يتوقعون أنهم إذا وضعت الحرب أوزارها وخرجوا من بيوتهم، سيلقون زروعهم وثمارهم قد حصدت أو خربت، وأسواقهم قد نهبت، وأملاكهم قد أتلفت، ولكن المفاجأة كانت غريبة بالنسبة إليهم، إذ وجدوا كل شيء على حاله كما تركوه إلا ما تأثر من أمتعتهم بآثار الطبيعة نحو الغبار أو وهج الشمس، وعجبت امرأة مرت على جثث القتلى في الميدان فوجدت كلا منهم بعدته لم يؤخذ من أسلابهم شيء، فقالت كأنهم رقود، فسميت تلك البقعة (رقادة)، وما زالت تحتفظ بهذه الاسم حتى اليوم.
وتفقد أبو الخطاب القتلى فوجد واحدا منهم مسلوبا، فنادى مناديه: من