الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ٢٧٥القسم الأول: مظاهر الاستبداد
275
أخذ من القتلى شيئا، فليرده ولما أيس من الرد دعا على من أخذ السلب أن يفضحه الله على رؤوس الأشهاد، وحق لمثله أن يكون مستجاب الدعاء عند الله، فلما رجع قافلا إلى طرابلس أطلقوا الأعنة لخيلهم لتستبق ابتهاجا بالنصر والظفر بإقامة الحق، فانقطع حزام جميل السدراتي ـ وهو أحد جنود الإمام ـ وسقط، فظهر السلب تحت سرجه، فلم يمهله الإمام وإنما أدبه على صنيعه.
وكان هذا الموقف منه سببا لحنق السدراتي عليه، إذ لجأ إلى بني العباس ـ وكان ذلك في أول دولتهم - فألبهم على الإمام فباغتوه بجيش عرمرم، ولكن الإمام تصدى لهم بمن كان عنده من المؤمنين، وهزمهم هزيمة نكراء، فما انتصروا عليه إلا بعد أن كادوا له مكيدة؛ حيث أظهروا له أنهم راجعون على أعقابهم، ولما اطمأنوا أن نصراءه تفرقوا عنه بعد أن أذن لهم أن ينصرفوا إلى أعمالهم، أعادوا الكرة عليه فتمكنوا من قتله وقتل كثير ممن كان هب لنصرته، وقد ذهبت أرواح أولئك الشهداء ضحية المحافظة على المبادئ وعدم التفريط فيها، إذ لم يكن لهم في الحياة هدف إلا أن يقيموا موازين القسط فيها ويسجلوا سطور العدل والإنصاف على صفحات تاريخها (1).
3 - الأَئِمَّةِ الرُّسْتُمِيُّون:
الذين بويعوا بالإمامة بأرض المغرب فامتد نفوذهم في المغربين الأدنى والأوسط، فبسطوا العدل بين الناس حتى انتشر في آفاق الأرض طيب ذكرهم، فأقبل الناس عليهم من ديار شتى لما سمعوا من عدلهم وحسن سيرتهم وقد شهد بهذا كله من لم يكن يخفي ما يعتمل في نفسه من، عداوتهم وكرههم وهو ابن الصغير، وسيأتي إن شاء الله نص شهادته، (والحق ما شهدت به الأعداء).
(1) ينظر: السير للشماخي، ج 1، ص 116 - 118