الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ٢٨١القسم الأول: مظاهر الاستبداد
281
دينه، وهزم الفئة الباغية الناقضة للعهود من نصارى الحبشة ومن شايعهم من نصارى سقطرى، وعادت راية الإسلام عالية وارتفع ذكر الله من المآذن، وحقق الله لعباده الذين اصطفى النصر والعز والتمكين، وانتشرت بذلك عدالة السماء في الأرض، ودخل الناس في دين الله أفواجا، لما رأوه من الأخلاق الربانية التي لم تعهد لبشر من قبل حيث قابل المسلمون الإساءة بالإحسان، والغدر بالوفاء والثبات عند اللقاء، فتم بذلك نصر الله والفتح وانتشر دين الله في آفاق الأرض».
ثم قال: «وتعتبر وصية الإمام الصلت وثيقة من أرقى الوثائق في الشؤون الدولية، وخاصة في كيفية محاربة الأعداء والإنذار إليهم، ومعاملتهم بالحسنى إن هم استجابوا لنداء الحق وتابوا وثابوا، رغم ما فعلوه من جرائم فظيعة بالمسلمين من قتل وسفك دماء واعتداء على الحرمات، فهم إخواننا لهم ما لنا وعليهم ما علينا، فإن أبوا ذلك دعوناهم للعودة إلى العهد والاستمساك به، وأداء الجزية ومعاقبة الناكثين والتفريق بين من نكث العهد وبين من لم ينكث، وأن لا يؤخذ بريء من هؤلاء النصارى بجريرة وجريمة القتلة والسفاكين منهم، فإذا انتصرنا عليهم وجبت المعاملة بالحسنى وتسليم الأمر إلى الإمام وأن تعود الأمور إلى سابق عهدها.
وهذا بالفعل ما أدى إلى عودة نصارى سقطرى إلى حظيرة العدل وإلى دخول بعضهم في دائرة الإسلام، ومن بقي منهم على دينه كفلت له الدولة المسلمة الحرية التامة في أداء دينه وشعائره وبقوا على ذلك حتى الغزو البرتغالي عام 1507 م الذي أدى في النهاية إلى محاربة أهل سقطرى من النصارى للبرتغاليين وإلى الدخول في دين الإسلام داخرين» (1).
(1) معاملة غير المسلمين، الحوار والتسامح في الإسلام، شواهد من التأريخ، للدكتور محمد علي البار، ص 96 - 98، دار القلم دمشق، الدار الشامية بيروت.