الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ٢٩٥القسم الأول: مظاهر الاستبداد
295
انتزع من قبضتهم أكثرها فغادرها قاعا صفصفا، فوافقهم على الصلح إلى أمد، واشترط عليهم فك ما بأيديهم من أموال المسلمين، وكان من بينها أموال الشيعة (1) بصحار.
وفي هذا أكثر من درس للأمة، فهو يدل
أولاً على أن هذه المدرسة ترعى حقوق جميع الأمة، ولا تميز في ذلك بين مدارسها المختلفة، فمهما كان من اختلاف في الفكر والاعتقاد أو في الفقه والاجتهاد بين أبناء هذه المدارس، فإن الهم يجب أن يكون واحدا، وأن لا يقسمهم ذلك إلى طوائف، عزين تسعى كل طائفة إلى دمار الأخرى. ثانياً: أن الانتصاف يجب أن يكون من الظالم لكل مظلوم، وأن ينال كل مظلوم حقه غير مبخوس، فإن العدل واجب مقدس يرعاه الذين يخشون الله ويتقونه، وكل الناس في موازينه سواء.
-
ثالثاً: أن المحافظة على نسيج المجتمع - كيف ما كان متنوعا ـ ضرورة
اجتماعية لتماسك هذا النسيج وتكامله وشد بعضه أزر بعض.
وقد شاء الله تعالى أن تكون هذه بداية لدحر قوى الكفر ـ في ذلك العهد وزعزعة معاقله وهشم يافوخه الطافح بالغرور، ثم توالت بعد ذلك الفتوحات العظيمة على أيدي خلفاء هذا الإمام من الأئمة العظام، الذين لم يقفوا دون أن يغزوا البرتغاليين الجبابرة المتكبرين في معاقلهم التي كانت قواعد انطلاقهم لغزو الشعوب وتدمير الأمم، إذ لم يأل هؤلاء الأئمة جهدا في جهادهم بكلمة الله حتى أنزلوهم من صياصيهم أذلة، وأخرجوهم من مستعمراتهم في شواطئ أرض الهند والشرق الإفريقي، فذاقت الشعوب المنكوبة بهم طعم العدل، وتفيأت ظلال الكرامة، ورفرفت على رؤوسها رايات العز.
(1) تحفة الأعيان، ج 2، ص 10.