الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ٣٠٩القسم الأول: مظاهر الاستبداد
جندك الموقنين بوعدك، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم). وقد كان ال مثالا في سعة الصدر واحتمال الأذى من رعيته، لذلك كان يوصي بهذا ولاته وعماله، فقد كتب إلى أحد ولاته: اعلم أن من دخل في أمر لا بد من أن يتحمل، والناس سيقولون ويقدحون، ولو كان المرء كالقدح المقوم لقال الناس فيه وفيه وبشدة القلب تتلقى الكلمة العوراء ويصفح عن قائلها، فلا تكن ضيق القلب» (2).
وحدثني جماعة من معاصريه أنه باع بعيرا له لبدوي ليسد بثمنه بعض حاجات المسلمين، وذهب البدوي لإحضار الثمن فأطال الغيبة ـ وكان الإمام في شيخوخته، وقد تزاحمت عليه هموم النفس وكثرة الأشغال ـ فباع البعير لمشتر آخر، لأنه نسي بيعته السابقة، وبعد برهة من الزمن حضر البدوي وبيده الثمن فلم يجد البعير، فأغلظ القول على الإمام وحاول بعض من حوله أن يسكته، فقال الإمام: دعوه فإن لصاحب الحق مقالا، وتركه حتى أفرغ كنانته وسكنت جائشته، فقال له: إني ما بعت البعير لأغمطك حقك، وإنما بعته وقد عزب عن ذهني ما كان بيني وبينك، والخيار في هذا الأمر راجع إليك، فإن شئت الصلح بيني وبينك، فأنا على استعداد أن أرضيك وإن شئت أن تقاضيني فما علي حرج أن أدين بكل ما يقضى به لك علي، فجنح البدوي إلى مقاضاته، فرفع قضيته إلى أحد القضاة، فما كان من الإمام إلا أن وقف بجانب البدوي موقف الخصم أمام القاضي فلما رأى خصمه ذلك نزل عن دعواه، فأكرمه الإمام بما سر خاطره وذهب
بما في نفسه.
(1) المصدر السابق، ص 18. (2) المصدر السابق، ص 19.