الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ٣١القسم الأول: مظاهر الاستبداد
31
بل شمل جميع مرافق حياة الأمة فنخر جميع جوانبها، وأول انحراف كان في طريقة الحكم، فبعد أن كان مبنيا على الشورى والانتخاب الحر للخليفة الشرعي - الذي تبايعه الأمة عن طواعية، بعد أن تختاره لما تجد فيه من خصال الورع والتقوى وشدة الخوف من الله تعالى، والنصح للأمة، وإيثار مصالحها على مصلحته الشخصية، وما يتمتع به من خصائص قيادية تؤهله لإمساك زمامها والسير بها في دروب السلامة، لتسلم في دنياها وتسعد في عقباها - تحول الأمر إلى النقيض من ذلك، فأصبح الحكم يؤخذ عنوة، ويستلب من أهله بالسيف ويفرض على الجماهير بقوة الحديد والنار، ولا يبقى لأحد من الأمة في الأمة في ذلك رأي أو اختيار، وإنما عليها أن تسلم وتخضع وتنقاد وتسلب كل إرادة، حتى تغدو كالآلات الصماء التي تتحرك بالضغط على الأزرار.
انتِقَالُ الحُكْم مِنْ خِلافَةِ رَاشِدَة إلى سُلْطَة استبدادية:
كان
يسود
الأمة من
إن أعظم بلاء على الأمة ومصيبة في الدين تحول نظام الحكم الذي أقصاها إلى أقصاها من منهج رباني - يقوم على العدل، والشورى، ومحاسبة النفس والخوف والرجاء من الله، وينبني على عقد بين الأمة والخليفة يكون الخليفة؛ بموجبه أجيرا للأمة تحق لها مراقبته ومحاسبته على القليل والكثير، كما يحق لها مع انحرافه عن الجادة أن ترده إليها بالنصح والتقويم، فإن أبى كان لها عزله ولو بالقوة ـ إلى منهج شيطاني، يقوم على الجور والاستبداد وإعطاء النفس شهواتها في البطش بالأمة، وسلبها جميع حقوقها المادية والمعنوية، وإطلاق يد المتسلط للعبث بأموالها وسفك دمائها، ومعاملتها كقطيع من السوائم لا تجتلب لنفسها نفعا
ولا تدفع ضرا.