الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ٣٢الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه
وقد كان هذا ـ بلا ريب ـ حدا فاصلا بين عهدين في حياة الأمة، عهد القوة والعزة والكرامة وعهد الضعف والذلة والمهانة، كما أوضح ذلك المفكر الكبير السيد أبو الحسن الندوي في قوله: «قال أحد الأدباء: «أمران لا يحدد لهما وقت بدقة، النوم في حياة الفرد والانحطاط في حياة الأمة، فلا يشعر بهما إلا إذا غلبا واستوليا»، إنه لحق في قضية أكثر الأمم، ولكن بدا التدلّي والانحطاط في حياة الأمة الإسلامية أوضح منه في حياة الأمم الأخرى، ولو أردنا أن نضع إصبعنا على الحد الفاصل بين الكمال والزوال، لوضعنا على ذلك الخط التاريخي الذي يفصل بين الخلافة الراشدة والملوكية العربية أو ملوكية المسلمين).
فقد كانت مسؤولية الأمة في العهد الأول تعود إلى من تختاره لقيادتها، ويكون أتقاها الله، وأقواها على إدارة دفة أمرها، إذ لا تنتخب لتحمل هذا العبء إلا من توفرت فيه خصلتان حددهما القرآن في الأجير فيما حكاه عن أمته الصالحة اللبيبة ابنة عبده الصالح إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَعْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26]، وهذه الصفات كانت متوفرة في جميع القائمين على الأمر، الذين يتحملون المسؤوليات السياسية والعسكرية والمدنية، أو الذين
يدلون إليهم بالرأي والمشورة، وفي هذا يقول السيد أبو الحسن الندوي:
«كان زمام القيادة الإسلامية - والعالمية بالواسطة ـ بيد الرجال الذين كان كل فرد منهم معجزة جليلة لمحمد صلى الله عليه وسلم، إيماناً وعقيدة وعملاً وخلقاً وتربية وتهذيباً وتزكية نفس وسمو سيرة، وكمالاً واعتدالاً، لقد صاغهم النبي صلى الله عليه وسلم صوغاً، وصبهم في قالب الإسلام، صباً، فعادوا لا يشبهون أنفسهم إلا في الأجسام لا في الميول والنزعات، ولا في الرغبات والأهواء، ولو دقق مدقق لما رأى في سيرتهم وأخلاقهم مأخذاً جاهلياً ينافي روح الإسلام
(1) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، ص 124.