الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ٣١١القسم الأول: مظاهر الاستبداد
311
إذا أغلقت أبواب كسرى وقيصر فبابك دون الناس لم يُلف مغلقا وإن ساد بالسلطان والعنف معشر فبالعدل والإحسان قد سدت مطلقا حلمت فلم تترك لذي الحلم موضعاً وطلت فلم تترك لذي الطول مرتقى وصلت فلم تترك على الأرض آمناً وجدت فلم تترك من الناس مملقا ورضت فذللت الخطوب وكيدها وقلت فبرزت الحقيقة مفلقا وألبست من نسج التواضع حلة وكنت بموضون الهدى متمنطقا إذا الأمر أعيى الناس رأياً وخبرة سللت له من نير الفكر أبرقا وإن ذاب من حر الوغى قلب ماجد فقلبك أقوى صخرة أن يفلقا (1) وكان مع هذا كله يتمنى أن لو وجد فرصة لتسليم زمام الأمر إلى غيره، وحل ما بعنقه لتطويقه عنق غيره، فقد توفي في عهده واليه على مدينة الرستاق وتوابعها، فأراد الإمام بمشورة من بعض أعيانها أن يولي من بعده شبل الوالي الراحل، ولكن طلبة العلم الذين كانوا يدرسون على الشيخ العلامة الضرير محمد بن حمد الزاملي اتفقوا مع شيخهم على عدم قبولهم أن يولى عليهم نجل الوالي السابق، فأدلوا برأيهم إلى الإمام، فقال لهم: إنكم لم تجربوه حتى تعدو عليه ما يعيب سيرته أو يخل بأمانته أو يهوّن من جده في القيام بمسؤوليته، فما عليكم إلا أن تجربوه فإن ثبت عليه ما يقتضي عزله عزلناه إن شاء الله.
ولكن الطلبة مع شيخهم الزاملي أصروا على موقفهم، وكان الشيخ هو الذي يخاطب الإمام باسمهم، وقد عرف بحدته البالغة، فما كان منه إلا أن خاطب الإمام بشدة وجرده من لقبه قائلا: له يا محمد إن المسلمين لن يتركوا الأمر لتتصرف فيه كما تريد، وإن كنت لا تعير خطابنا اهتماما فسلم
(1) وحي العبقرية، ص
442