الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ٣١٣

القسم الأول: مظاهر الاستبداد

313

وقد تبينت أيها القارئ الكريم كيف كان سلوك أبنائها عندما يتعرضون لعدوان أو يواجهون خصومة، فإنهم يحرصون على الاحتراز وضبط النفس والتحكم فى العواطف الثائرة والمشاعر الهائجة، حتى لا تدفعهم إلى الحماقة والخروج عن حدود الاعتدال، وفيما ذكرته من الأمثلة أعظم شاهد على ذلك، وكم تجد من شهادة عادلة على هذا النهج من أهل الصدق والأمانة من المنتسبين إلى المدارس الأخرى.

وبسبب هذا؛ كان البون سحيقا بينهم وبين الغلاة الذين حكموا على أهل ملة التوحيد بأحكام المشركين فاستباحوا منهم سفك الدماء وغنم، الذراري، وقد كان استنكارهم لهذا الغلو منذ بداية بروزه،

الأموال وسبي ناهيكم أن الإمام أبا الشعثاء جابر بن زيد الله الذي كان رائد هذه المدرسة و منظرها، كان يحتج على أولئك الغلاة، فقد ذكر البدر الشماخي في سيره

الله

عن ضمام أنه قال: «كان جابر يأتي الخوارج، فيقول لهم: أليس قد حرم دماء المسلمين بدين؟ فيقولون: نعم، وحرم الله البراءة منهم بدين؟ فيقولون نعم، فيقول: أوليس قد أحل الله دماء أهل الحرب بدين بعد تحريمها بدين، فيقولون: بلى، فيقول: وحرم الله ولايتهم بدين بعد الأمر بها بدين؟ فيقولون نعم، فيقول: هل أحل ما بعد هذا بدين؟ فيسكتون» (1).

وذكر أيضا أن عبد الله بن إباض كانت له مناظرات مع الخوارج).

وبسط سالم بن ذكوان الهلالي - وهو من أعلام هذه المدرسة في نهاية القرن الأول وبداية الثاني - الحجج الدامغة التي أتت على شبه هؤلاء الغلاة في «سيرته القيمة، حيث قال: «ثم خرج من بعدهم ابن الأزرق وأصحابه،

(1) السير للشماخي، ص 72. (2) المرجع السابق، ص 73.