الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ٣٣

القسم الأول: مظاهر الاستبداد

33

والنفسية الإسلامية، ولو تمثل الإسلام بشراً لما زاد على أن يكون كأحدهم. وكانوا كما قلنا أمثلة كاملة وأقيسة تامة للدين والدنيا والجمع بينهما، فكانوا أئمة يصلون بالناس وقضاة يفصلون، قضاياهم، ويحكمون بينهم بالعدل والعلم، وأمنة لأموال المسلمين وخزنتهم، وقواداً يقودون الجيوش ويحسنون تدبير الحروب وأمراء يباشرون إدارة البلاد ويشرفون على أمور المملكة ويقيمون حدود الله، وكان الواحد منهم في آن واحد تقياً زاهداً وبطلاً مجاهداً، وقاضياً فهماً، وفقيهاً مجتهداً وأميراً حازماً وسياسياً محنكاً. فكان الدين والسياسة يتمثلان في شخص واحد وهو شخص الخليفة وأمير المؤمنين حوله جماعة ممن تخرجوا - إن صح التعبير ـ في هذه المدرسة، المدرسة النبوية، أو المسجد النبوي، أفرغوا في قالب واحد يحملون روحاً، واحدة وتلقوا تربية، واحدة يستشيرهم الخليفة ويستعين بهم، فلا يقطع أمراً ذا بال حتى يشهدوه فسرت روحهم في المدنية ونظام الحكم وحياة الناس واجتماعهم وأخلاقهم وانعكست ميولهم ورغباتهم في المدنية وظهرت خصائصهم فيها، فلا عداء بين الروح والمادة ولا صراع بين الدين والسياسة ولا تفريق بين الدين والدنيا، ولا تجاذب بين المصالح والمبادئ ولا تزاحم بين الأغراض والأخلاق، ولا تناحر بين الطبقات، ولا تنافس في الشهوات» (1).

نعم؛ كان

جميع

المسئولين في الدولة الإسلامية الأولى من هذا الطراز، فكل منهم يعد أمة في رجل ورجلا في

أمة، يحمل في

نفسه

هم

أعماق

الدين والدعوة إليه وهم الأمة بل البشرية بأسرها، لأنه يحس من نفسه أنه مسئول عن إصلاحها وتربيتها وإخراجها من الظلمات إلى النور

(1) المرجع السابق، ص 125.