الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ٣٢٤

324

الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه

مقدمة الأمة إذ وقفوا منهم هذا الموقف الصارم، وأخذوا على أنفسهم نقض أباطيلهم وتفنيد، شبههم، كما أنهم لم يترددوا في دفع شرهم بالسيف عندما اقتضى الأمر ذلك، كما كان هذا بالمشرق بقيادة الجلندى بن مسعود، وبالمغرب بقيادة أبي الخطاب المعافري رحمهما الله.

من

ومع تصويبنا لهذا الموقف في تعرية ضلالهم ودفع شرهم، أرى أن الضرورة بمكان أن تكون لنا كلمة إنصاف في غمرة هذا الصراع، فإن الواجب يقتضينا أن لا نقتصر في الحكم على ردود الأفعال ونغمض العين عن أسبابها التي أدت إليها، فإن العلاج يجب أن لا يكون للنتائج مع إهمال المقدمات وعدم الاكتراث بالتوقي منها.

ومن المعلوم، أن من نظر نظرة فاحصة في أسباب هذا الغلو يجد أنهم لم يغالوا إلا بسبب ما قاسوه من الظلم والجور في ظل الحكم الأموي الجائر، ناهيك بما كان من اختيار حكام بني أمية لعمالهم من بين أكثر الناس شرورا وأقساهم قلوبا وأجرئهم على الله وأنساهم لعهده وأظلمهم لعباده، كمسرف بن عقبة وزياد بن أبيه وابنه عبيد الله والحجاج وأضرابهم، وكانت وصاياهم لهم أن لا يبالوا بسفك الدم الحرام ونهب الأموال وهتك المحارم، فإن هذه الأعمال بلا ريب أورثت أولئك عقدا نفسية أدت إلى الإفراط في الاتجاه المعاكس، فحكموا على هؤلاء بأحكام أهل الشرك واستباحوا منهم ما لا يستباح إلا من المشركين.

بهم

وما هي إلا ردة فعل عنيفة لما كانوا يلقونه من العسف والجور والاستبداد، ولو أنهم أُنْصِفُوا في المعاملة لأَنْصَفُوا، ولا أدل على ذلك من كف أيديهم عن القتال عندما وجدوا الإنصاف في عهد عمر بن عبد العزيز، إذ لم يكن منهم إلا مسالمته لما وجدوه من عدله، وهذا الذي حفظه لنا التأريخ، فقد قال الآجري: «لما بلغت الخوارج سيرة عمر