الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ٣٢٥القسم الأول: مظاهر الاستبداد
325
وما رد من المظالم اجتمعوا فقالوا ما ينبغي لنا أن نقاتل هذا الرجل» (1). فكيف يشك مع هذا، أنهم لو وجدوا هذه السيرة من غيره وأنصفوا من قبل أولئك لكانوا أنصفوا من أنفسهم وحدوا من غلوائهم، وكفوا أيديهم عن مقاتلة أهل القبلة وأخذ أموالهم، ولكن العنف يولد العنف، والشر لا يعقبه إلا الشر، وقليلا ما يوجد العقلاء الذين يتحكمون في عواطفهم، ويسيطرون على حفائظهم عندما تغلى مراجل الغضب فيتمكنون من الوقوف على خط الاعتدال، كما فعل ذلك طالب الحق وأبو حمزة وسائر القادة الذين ينتسبون إلى مدرستهم، وهذا من توفيق الله تعالى.
إزاحة الستار عن شُبهة تأريخية:
بهم
قد يقول قائل بأن هذا الغلو متأصل عند أصحاب هذا الفكر، لأن المُحَكِّمَة الأولى عزي إليهم ما يثبت غلوهم. وجوابه: أن المحكمة كانوا أكثر الناس دقة في تطبيق تعاليم الإسلام السمحة، وتجنب ما يؤدي إلى الغلو، وإنما ألصق ما ألصق من الدعايات المغرضة تشويها لسمعتهم، وترويجا للسياسة القائمة على انتهاك الحرمات وبث الظلم، فإن بني أمية كانوا يرون في فكر المحكمة ما يزعزع استقرارهم ويهد أركانهم، لذلك لم يبالوا في نسبة العظائم إليهم وهم منها براء، كما لم يبالوا في وضع الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، للتشهير بهم
بما
هم
أبعد ما يكونون عنه (2).
(1) أخبار أبي حفص عمر بن عبد العزيز، ص 3
63
(2) ينظر: في هذا كتاب الخوارج والحقيقة الغائبة لناصر بن سليمان السابعي، فقد تتبع الروايات التي عزيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أمر المحكمة، وبين عدم صحة أي شيء منها، كما زيف ما عزاه المؤرخون إليهم من الأحداث التي تشيب منها الرؤوس مع براءتهم منها.