الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ٣٢٦326
الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه
ومما يؤكد أن المحكمة الأولى كانوا أبعد ما يكونون عن الغلو والعدوان على الأنفس والأموال، ما كان عليه بقاياهم ـ الذين سلموا من القتل في واقعة النهروان كأبي بلال المرداس ابن حدير وأخيه عروة ـ من ألد الاحتياط الشديد في تعاملهم حتى مع خصومهم، فعندما فعل زياد ابن أبيه فعلته النكراء في البلجاء - رحمها الله - إذ قطع يديها ورجليها ورمى بها في السوق، مرَّ بها أبو بلال، فقال لأصحابه: «إن الإقامة على الرضا بالجور لذنب، وإن تجريد السيف وإخافة الناس لعظيم ولكن نسير في أرض الله ولا نجرد سيفا، وإن أرادنا قوم بظلم امتنعنا منهم، فقالوا له: أنت سيد المسلمين وبقيتهم، فخرج في ثلاثين، فلقيه عبد الله بن رياح عامل عبيد الله على الجسر وكان صديقا لأبي، بلال، وفي كتاب الأعلام: كان فاضلا، فراودهم على الرجوع فأبوا، فأتوا الأهواز فأصابوا أموالا تحمل إلى ابن زياد، فأخذوا عطيتهم وردوا الباقي، فبلغ عبيد الله خروجهم، فوجه إليهم أسلم بن زرعة في ألفين.
إلا
قال يونس بن أرقم خرجنا في جيش نريد خراسان، فدخلنا دَرْبَاً بآسَك فيه ثلاثة أخبية، فإذا هو أبو بلال في ستة وثلاثين رجلا، فقال ابن عمي: السلام عليكم قالوا: وعليك أمن هذا الجيش الذين يريدون قتالنا، قلنا: لا، قال: سلمكم الله أبلغوا من لقيتم أنا لم نخرج لنفسد في الأرض ولا نقاتل من أكرهنا على قتاله، ولا نأخذ من الفيء إلا أعطيتنا، فبلغهم أسلم بآسك وهم في أربعين رجلا، فقالوا له اتق الله، فإنا لا نريد قتالا، فما تريد؟ قال: أردكم إلى ابن زياد، قال: يقتلنا وتشاركه في دمائنا، قال: نعم دماؤكم حلال، وهو محق قالوا اللهم إن كان كاذبا فانصرنا عليه، قال حريث بن حجل: يا عدو الله أمحق وهو يطيع الفجرة، ويقتل بالظنة، ويخص بالفيء، ويجور في الحكم؟!! .. فرموا رجلا من المسلمين فقتلوه، قال أبو بلال: