الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ٣٤

34

الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه

ومن الضلال إلى الهدى ومن الجهل إلى العلم ومن الجاهلية إلى دين الإسلام الحق.

وهو مع نوئه بهذه الهموم، يحمل هم الدار الآخرة ووعدها ووعيدها، فيتزاحم في قلبه عاملا الخوف والرجاء، ففي خوفه ما ينهنهه ويصده عن كل سوء ويحجزه عن إعطاء نفسه رغباتها، وفي رجائه ما يبعث في نفسه الخير، ويؤجج عزائم الإيمان.

همم

وبانحلال ذلك العقد وانطواء ذلك العهد وبروز عهد جديد طوي عن الأمة كل ما كانت تعهده في العهد الماضي من المزايا الخيرة، فغارت ينابيع الخير، وتحول روضها النضير إلى قفر يباب منطمس المعالم موحش للناظر.

وقد بدأت هذه المرحلة المشئومة في حياة الأمة بوثوب معاوية بن أبي سفيان على دولة الخلافة؛ لابتزاز السلطة من الخليفة الشرعي الذي بويع بإجماع أهل الحل والعقد، ليحولها إلى ملك عضوض ونظام استبدادي، لا يصلح إلا أن يكون امتدادا للنظام المتبع عند القياصرة والأكاسرة، ولم يكن أنه أخذ السلطة عنوة، وأن الناس له كارهون؛ فعندما دخل

معاوية يخفي المدينة المنورة بعد استيلائه على الأمر خطب في أهلها قائلا:

«أما بعد؛ فإني والله ما وليتها بمحبة علمتها منكم، ولا مسرة بولايتي، ولكني جالدتكم بسيفي هذا مجالدة، ولقد رضت لكم نفسي على عمل ابن أبي قحافة، وأردتها على عمل، عمر، فنفرت من ذلك نفارا شديدا، وأردتها مثل ثنيات عثمان فأبت علي، فسلكت بها طريقا لي ولكم فيه منفعة؛ مؤاكلة حسنة ومشاربة جميلة، فإن لم تجدوني خيركم فإني خير لكم ولاية. والله لا أحمل السيف على من لا سيف له، وإن لم يكن منكم إلا ما يستشفى به