الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ٣٣١

القسم الأول: مظاهر الاستبداد

331

الناس من كلام النبوة الأولى، إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» (1)، فإن الحياء إنما يحجز العقلاء من التلطخ برجس الزور والفحشاء.

وقد كان العرب في جاهليتهم يربأون بأنفسهم أن يسجل عليهم كذب اتقاء لعاره، وإن كانوا غير مؤمنين بالله واليوم الآخر، ناهيك أن أبا سفيان عندما كان يجيب هرقل عما يسأله عنه من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم أبى أن يكذب، لا خشية أن يكذبه قومه، ولكن خشية أن يعثروا على كذب في كلامه فيحفظوه عنه، كما قال: «فوالله لو قد كذبت ما ردوا علي، ولكني كنت امرءا سيدا أتكرم عن الكذب، وعلمت أن أيسر ما في ذلك، إن أنا كذبته، أن يحفظوا ذلك عني، ثم يتحدثوا به، فلم أكذبه» (2).

ونجد السموأل اليهودي يستهجن تحريف الحقائق، لأنه عاش في بيئة عربية، فتخلق بأخلاقها لذلك قال:

إنا إذا مالت دواعي الهوى وأنصت السامع للقائل لا نجعل الباطل حقا ولا نلظ دون الحق بالباطل نخاف أن تسفه أحلامنا فنخمل الدهر مع الخامل وإذا كان هذا شأن أهل الجاهلية، فما بالك بالذي يتقمص الإسلام بأنه يؤمن بالله واليوم الآخر لا يبالي بتحريف الحقائق في كتاب ينشر ويطبع ويتناقل جيلا بعد جيل، مع أن الحقيقة تأبى أن يواريها الإفك ويطمسها الهوى، كما لا توارى الشمس في رابعة النهار بأكف الجاحدين.

ويدعي

(1) أخرجه أحمد من طريق حذيفة (383/ 5، رقم 23302). والبزار (256/ 7، رقم 2835). قال الهيثمي (27/ 8) رجاله رجال الصحيح. ومن طريق أبي مسعود: أخرجه أحمد (121/ 4، رقم 17131)، والبخاري (2268/ 5، رقم 5769، وأبو داود (252/ 4، رقم 4797)، وابن ماجه (1400/ 2، رقم 4183). (2) فتح الباري، ج 1، ص 35.