الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ٣٥٧القسم الأول: مظاهر الاستبداد
357
مُقَارَنَة بَيْنَ أعمال الوَهَّابية وأعمال الإباضية:
هذه أيها القارئ الكريم قطرات من بحر خضم مما سجله هذا الكاتب بقلمه في وصف أعمال هذه الطائفة، التي حاول الشويعر أن يلصق جرائرها بطائفة بريئة من هذه الأعمال، متجاهلا ما ارتكبه هؤلاء الذين يدافع عنهم، من إجرام في الأمة والدين، وانتهاك لحرمات الإنسانية بسفك الدماء ونهب الأموال بغير حق، حتى أن الأجنة في الأرحام لم تكن في مأمن من شرهم
المستطير.
ولو أنني تتبعت ما كتبه ابن بشر مفاخرا به من أعمالهم لطال كتابي هذا، ولكن كفى ما أوردته شاهدا على مبدأ هذه الطائفة، واعتقادها في الأمة، وتطبيقها عليها أحكام أهل الشرك على أن المشركين لا يباغتون بالقتال، حتى تقام عليهم الحجة ويدعوا إلى الحق، كما كان عليه رسول الله، وأصحابه، فكيف بأهل القبلة؟ وقد رأيت أيها القارئ الكريم كيف كان شغفهم بقتل الأنفس ونهب الأموال، مع ما جعل الله للنفس البشرية من حرمة، فضلا عن النسمة الموحدة، وما جعله الله للأموال من
حرمات.
هذا؛ وإذا قارنت بين هذا التأريخ الذي سجلته أقلامهم وحفظته مدوناتهم، وتأريخ الإباضية، الذين حاول الشويعر أن يلصق بهم هذا الإجرام لوجدت بونا شاسعا، أبعد من ما بين نجوم السماء وتخوم الثرى، فحسبك ما سبق لك ذكره من تأريخ الإباضية في حروبهم، كيف كانوا دقيقين في مراعاة الأحكام الشرعية والمحافظة على حقوق البشر عامة، وحقوق أهل القبلة خاصة، فما كانوا يشهرون السيف إلا بعد أن يقيموا الحجة ويتعنت الخصم ويبدأ هو بسفك كما دمهم، وقع ذلك في قديد وغيرها، وما كانوا يستحلون قتل المدبر ولا الأسير، بخلاف هؤلاء الذين كانوا يفاخرون باتباع