الاستبداد
الجزء ١ · صفحة ٣٦٠360
الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه
حتى يجعل المجرم بريئا والبرئ مجرما بالنظر إلى أحداث الماضي فماذا عسى أن يقول في أحداث الساعة، التي ضجت منها الدنيا بأسرها ولاكها إعلامها، مما يرتكبه الشباب الذي فرخهم هذا الفكر ونشرهم في العالم من التكفير والتفجير، هل هؤلاء تربوا على الفكر الإباضي، أو على الفكر الوهابي الحشوي؟! إن الحقيقة أظهر من أن تحتاج إلى بينة أو تسند بدليل:
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
وليت شعري هل الشويعر لم يعرف الذين حكموا عليه بالشرك، فراح يفتش عنهم في خبايا التأريخ فخيل له أنهم الإباضية؟!! كلا؛ إنما هم الوهابية النجديون الذين يدافع عنهم، ودونك شهادة على ذلك، ممن عاصر حركاتهم وتعاطف معها، حتى صار أعقابهم يعتزون بما كتبه عنهم وينشرونه، وهو الجبرتي في تأريخه الذي قال فيه: «وفيه وصل ثلاث دوات من جدة إلى ساحل السويس فيها أتراك وشوام وأجناس آخرون، وذكروا أن الوهابي نادى بعد انقضاء الحج أن لا يأتي إلى الحرمين بعد هذا العام من يكون حليق الذقن، وتلا في المناداة قوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا
[التوبة: 28] وأخرجوا هؤلاء الواصلين إلى مصر» (1).
وهو كلام غني عن التعليق، فتراهم لم يقتصروا في تشريك أهل القبلة على من خالفهم في القضايا العقدية، بل أدخلوا الأعمال في ضمن القضايا الشركية، ولم يكن ذلك أمرا نظريا فحسب، بل طبقوه في الواقع فأقصوا الوافدين إلى البيت الحرام ممن كانوا حالقي الذقون وأخرجوهم إلى مصر، وهل يرى الشويعر والمروجون لكلامه أن الإباضية أصحاب عبد الوهاب بن
(1) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار، عبد الرحمن بن حس الجبرتي، 1237 هـ، ج 3، ص 193 دار الجيل، بيروت.