الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ٣٧٧

القسم الأول: مظاهر الاستبداد

377

فتراهم يرقصون على كل وتر، ويهيمون في كل واد، وينقادون لكل طاغية، ويسبحون بحمد كل من أقبلت عليه الدنيا، فقد كانت في أعناقهم بيعة لمصعب بن الزبير ولم يلبثوا أن يتحولوا إلى عدوه وقاتله، فيصبحوا له أولياء لأن ميلولتهم إنما هي إلى الدنيا وركونهم إلى حطامها، ولا يحسبون حسابا للآخرة، ولا يقيمون وزنا لقيم الدين والله المستعان

انقلاب موازين الأمة حوَّلَ الْمَسَاوِي أَمْجَادًا:

إن الإنسان ليعجب من أمة أوتيت القرآن، وعرفت هدي النبي، ونهج خلفائه الراشدين كيف تنقلب موازينها فتعد المساوئ أمجادا، وتلحقها بصميم الدين وترفع عقيرتها مفاخرة بها بين الناس.

كنت في زيارة للقطر العراقي العزيز، وكان مما تسنى لي زيارته مدينة سامراء، وكنت مع لفيف من رجال الفكر والفقه والسياسة والأدب، فاطلعنا في سامراء على آثار لبني العباس اكتشفت تحت الأنقاض، من بينها بركة للسباحة، لا أذكر أنني رأيت قبلها مثلها في سعتها وعمقها، وتحتها خنادق لإيقاد النار لتسخين مائها إبان الشتاء، وهي من آثار المتوكل، فأثارت رؤيتها إعجاب المشاهدين، وأخذت الأريحية أحد الفقهاء، فقال باعتزاز: «ما هذه

العظمة للإسلام!!».

فعجبت من هذا التفكير في أن عظمة الإسلام تتمثل في هذه البركة، حيث كانت تتراقص الجواري العاريات بشهود المتوكل أو غيره ممن أخلدوا إلى هذا الترف، واغتروا بهذا النعيم!!! فقلت: أين إذا عظمة الإسلام في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عهد خلفائه الراشدين، إذ لم يكن لأحد منهم مثل هذه البركة أو ما يدانيها من مظاهر الترف؟! ولو كانت عظمة الإسلام في مثل هذه الآثار لكان أسبق إليها زمنا وقدرا، أولئك الذين نعتهم القرآن