الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ٣٧٨

378

الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه

بالفساد والعلو في الأرض من الفراعنة والأكاسرة والقياصرة، وما كان منها الرسول الله صلى الله عليه وسلم حظ أو نصيب.

إن عظمة الإسلام - أيها الناس - في الاعتصام بأمر الله والتسمك بدينه والعدل بين عباده، والترفع عن حطام الدنيا، والرغبة فيما عند الله، وتتجلى يوم كان خليفة المسلمين يأوي إلى كوخ متواضع، وقد فتحت له خزائن الأرض، وجاءته كنوز كسرى وقيصر، فلم يفتح عليها عينه، ولم يسل من أجلها لعابه، ولم ينبهر بسببها عقله، وكانت تهتز من هيبته عروش الأكاسرة والقياصرة. يا من رأى عمرا تكسوه بردته والزيت أدم له والكوخ مأواه يهتز كسرى على كرسيه فرقا من بأسه وملوك الروم تخشاه

العلاقة بتن التَّرَف والتَّلف:

من العجب أن يعجب مسلم بمظاهر الترف، ويعدها من أمجاد الإسلام ومن عنوان عظمته في التأريخ، ويتجاهل ما ذكره القرآن في الترف والمترفين، وكيف كان، مالهم أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]، فالقرآن صريح ظاهر في دلالته بأن الترف يؤدي إلى عذاب الدنيا والآخرة، فقد ذكر الله تعالى أصحاب الشمال ووصفهم أول ما وصفهم بالترف، حيث قال بعد وعيدهم: إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} [الواقعة: 45]، وقد سبق أن مثل هذا التعبير إنما يدل على تعليل الحكم الذي سبقه، فالترف إذا علة ما آلوا إليه من العذاب وقرن عذاب الدنيا أيضا بالترف في قوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا اخَرِينَ فَلَمَّا أَحَشُوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أَتُرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَتَكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْتَلُونَ﴾ [الأنبياء: 11 - 13]، وقال سبحانه: حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْرُونَ} [المؤمنون: 64].