الاستبداد: مظاهره ومواجهته أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الاستبداد

الجزء ١ · صفحة ٣٨٠

380

الاستبداد مَظَاهِرُه ومُوَاجَهَتُه

وكذلك شأن المترفين أن يعترضوا دعوات الخير في الأمم ممن يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر كما يعترضون على دعوات المرسلين، وشاهد ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُم وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: 116].

وإذا كانت للحروف التي يتركب منها الكلم إيحاءات من خلال تركيبها فيما تدل عليه الكلمات من المعاني، فإن التقارب اللفظي بين كلمتي الترف والتلف يوحي بما بينهما من الترابط السببي والتآخي المعنوي، فالترف طريق للتلف وسبب يدفع إليه، وهذا لأن الانغماس في شهوات الحياة الدنيا منشأ البطر ومن بطر نعمة الله أهلكته وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَكَنُهُمْ لَمْ تُسْكَنَ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَرِثِينَ}

[القصص: 58].

تَخَذِيرُ القُرآن من الرُّكُون إلى الدُّنْيَا:

إن إخلاد النفس إلى الحياة الدنيا والتعلق بزخرفها يجتذب النفس - بلا ريب ـ إلى شهواتها ويعميها عن الدار الآخرة ونعيمها وجحيمها، لذلك ضرب الله الأمثال في هذه الدنيا، فقال: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَيَّنَتْ وَظَنَ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَا أَتَنهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نهَارًا فَجَعَلْنَها حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْس كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: 24]، ولأجل تنبيه العقول من غفلتها أتبع الله ذلك دعوته عباده إلى دار السلام، حيث قال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: 25].